وأما الذين قالوا : تأويل ذلك : شوال ، وذو القعدة ، وعشر ذي الحجة ، فإنهم قالوا :
إنما قصد الله جل ثناؤه بقوله : الحج أشهر معلومات إلى تعريف خلقه ميقات حجهم ،
لا الخبر عن وقت العمرة .
قالوا : فأما العمرة ، فإن السنة كلها وقت لها ، لتظاهر الاخبار عن رسول الله ( ص ) أنه
اعتمر في بعض شهور الحج ، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر .
قالوا : فإذا كان ذلك كذلك ، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام
ذي الحجة ، علم أن معنى قوله : الحج أشهر معلومات إنما هو ميقات الحج شهران
وبعض الثالث .
والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : إن معنى ذلك الحج شهران وعشر
من الثالث لان ذلك من الله خبر عن ميقات الحج ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام
منى ، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث ، وإذا لم يكن معنيا به جميعه صح قول
من قال : وعشر ذي الحجة .
فإن قال قائل : فكيف قيل : الحج أشهر معلومات وهو شهران وبعض الثالث ؟
قيل إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك ، فتقول له اليوم يومان منذ
لم أره . وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر ، وكما قال جل ثناؤه : فمن تعجل في يومين
فلا إثم عليه وإنما يتعجل في يوم ونصف . وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة ،
ثم يخرجه عاما على السنة والشهر ، فيقول : زرته العام وأتيته اليوم ، وهو لا يريد بذلك أن
فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره ، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك وفي ذلك
الحين ، فكذلك الحج أشهر ، والمراد منه الحج شهران وبعض آخر .
فمعنى الآية إذا : ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث ، وهو شوال وذو
القعدة وعشر ذي الحجة .
القول في تأويل قوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج .
يعني بقوله جل ثناؤه : فمن فرض فيهن الحج فمن أوجب الحج على نفسه
وألزمها إياه فيهن ، يعني في الأشهر المعلومات التي بينها . وإيجابه إياه على نفسه العزم
على عمل جميع ما أوجب الله على الحاج عمله وترك جميع ما أمره الله بتركه .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 356
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٥٦