التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز ، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من
قبورهم ، أم بعده ؟ أم هي في خاص من الخلق ؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر
مثله .
ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه : فإنما يقول له كن فيكون نظير قول
القائل : قال فلان برأسه أو بيده ، إذا حركه وأومأ ، ونظير قول الشاعر :
تقول إذا درأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني
وما أشبه ذلك ؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ولا كتاب الله ، وما دلت على صحته
الأدلة اتبعوا . فيقال لقائلي ذلك : إن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمرا قال له :
كن ، أفتنكرون أن يكون قائلا ذلك ؟ فإن أنكروه كذبوا بالقرآن ، وخرجوا من الملة ، وإن
قالوا : بل نقر به ، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل : قال الحائط فمال ولا قول هنالك ،
وإنما ذلك خبر عن ميل الحائط . قيل لهم : أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول :
إنما قول الحائط إذا أراد أن يميل أن يقول هكذا فيميل ؟
فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب ، وخالفوا منطقها وما يعرف في
لسانها . وإن قالوا : ذلك غير جائز ، قيل لهم : إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله
للشئ إذا أراده أن يقول له كن فيكون ، فأعلم عباده قوله الذي يكون به الشئ ووصفه
ووكده . وذلك عندكم غير جائز في العبارة عما لا كلام له ولا بيان في مثل قول القائل : قال
الحائط فمال . فكيف لم يعلموا بذلك فرق ما بين معنى قول الله : وإذا قضى أمرا فإنما
يقول له كن فيكون وقول القائل : قال الحائط فمال ؟ وللبيان عن فساد هذه المقالة موضع
غير هذا نأتي فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله .
وإذا كان الامر في قوله جل ثناؤه : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون هو ما
وصفنا من أن حال أمره الشئ بالوجود حال وجود المأمور بالوجود ، فتبين بذلك أن الذي
هو أولى بقوله : فيكون رفع على العطف على قوله : يقول لان القول والكون
حالهما واحد . وهو نظير قول القائل : تاب فلان فاهتدى ، واهتدى فلان فتاب لأنه لا
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 713
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٧١٣