فنقره بحاله ، نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها ، إما في العاجل
لخفته عليكم ، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم ، وذلك كالذي كان
على المؤمنين من فرض قيام الليل ، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم ، فكان ذلك خيرا لهم في
عاجلهم لسقوط عب ء ذلك وثقل حمله عنهم وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة
حمله وثقل عبئه على الأبدان ، كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة ، فنسخ
وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول ، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة
أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات . غير أن ذلك وإن كان كذلك ، فالثواب عليه
أجزل والأجر عليه أكثر ، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات ، فذلك وإن كان
على الأبدان أشق فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لم يكن مثله
لصوم الأيام المعدودات . فذلك معنى قوله : نأت بخير منها لأنه إما بخير منها في
العاجل لخفته على من كلفه ، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره . أو يكون مثلها في
المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه ، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة
شطر بيت المقدس إلى فرضها شطر المسجد الحرام . فالتوجه شطر بيت المقدس ، وإن
خالف التوجه شطر المسجد ، فكلفة التوجه شطر أيهما توجه شطره واحدة لان الذي على
المتوجه شطر البيت المقدس من مؤنة توجهه شطره ، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر
الكعبة سواء . فذلك هو معنى المثل الذي قال جل ثناؤه : أو مثلها .
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : ما ننسخ من آية أو ننسها ما ننسخ من حكم آية أو
ننسه . غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها اكتفي بدلالة ذكر الآية من ذكر
حكمها . وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا ، كقوله :
وأشربوا في قلوبهم العجل بمعنى حب العجل ونحو ذلك . فتأويل الآية إذا : ما نغير
من حكم آية فنبدله أو نتركه فلا نبدله ، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكما منها ، أو مثل
حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب .
فإن قال قائل : فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب وأنه لا يلتبس على من
سمع قوله : وأشربوا في قلوبهم العجل أن معناه : وأشربوا في قلوبهم حب العجل ، فما
الذي يدل على أن قوله : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها لذلك نظير ؟
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 672
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٧٢