من اليهود ما تلته الشياطين ؟ فما وجه نفي الكفر عن سليمان بعقب الخبر عن اتباع من
اتبعت الشياطين في العمل بالسحر وروايته من اليهود ؟ قيل : وجه ذلك أن الذين أضاف الله
جل ثناؤه إليهم اتباع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من السحر والكفر من اليهود ، نسبوا
ما أضافه الله تعالى ذكره إلى الشياطين من ذلك إلى سليمان بن داود ، وزعموا أن ذلك كان
من علمه وروايته ، وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر
خلق الله بالسحر . فحسنوا بذلك من ركوبهم ما حرم الله عليهم من السحر أنفسهم عند
من كان جاهلا بأمر الله ونهيه ، وعند من كان لا علم له بما أنزل الله في ذلك من التوراة ،
وتبرأ بإضافة ذلك إلى سليمان من سليمان ، وهو نبي الله ( ص ) منهم بشر ، وأنكروا أن
يكون كان لله رسولا ، وقالوا : بل كان ساحرا . فبرأ الله سليمان بن داود من السحر والكفر
عند من كان منهم ينسبه إلى السحر والكفر لأسباب ادعوها عليه قد ذكرنا بعضها ، وسنذكر
باقي ما حضرنا ذكره منها . وأكذب الآخرين الذين كانوا يعملون بالسحر ، متزينين عند أهل
الجهل في عملهم ذلك بأن سليمان كان يعمله . فنفى الله عن سليمان عليه السلام أن يكون
كان ساحرا أو كافرا ، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا في عملهم السحر ما تلته الشياطين في عهد
سليمان ، دون ما كان سليمان يأمرهم من طاعة الله واتباع ما أمرهم به في كتابه الذي أنزله
على موسى صلوات الله عليه . ذكر الدلائل على صحة ما قلنا من الاخبار والآثار :
1379 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن
سعيد بن جبير ، قال : كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر ، فيأخذه فيدفنه
تحت كرسيه في بيت خزانته . فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه ، فدنت إلى الانس ، فقالوا
لهم : أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟ قالوا : نعم :
قالوا : فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه . فاستثارته الانس فاستخرجوه فعملوا به . فقال
أهل الحجاز : كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر . فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه
محمد ( ص ) براءة سليمان ، فقال : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان الآية ،
فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام .
1380 - حدثني أبو السائب السوائي ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن
المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان الذي أصاب سليمان بن داود في
سبب أناس من أهل امرأة يقال لها جرادة ، وكانت من أكرم نسائه عليه ، قال : فكان هوى
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 629
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٢٩