شئ وفرضه ، في تلاوة من دلت تلاوته على فرضه ، ونهى عن فعل ذلك الشئ بعينه
وزجر عنه في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعل ذلك
الشئ بعينه وجعل ( 1 ) لمن شاء من عباده أن يفعله فعله ، ولمن شاء منهم أن يتركه تركه ، في
تلاوة من دلت تلاوته على التخيير .
وذلك من قائله إن قاله إثبات ما قد نفى الله - جل ثناؤه - عن تنزيله وحكم كتابه ،
فقال : ( ألا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 2 ) وفي
نفي الله - جل ثناؤه - ذلك عن حكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان
محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه ، لا بأحكام فيهم مختلفة .
وفي صحة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادعى خلاف قولنا في تأويل قول
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم ،
لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) قد أمر جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضي قراءة كل منهم ، على خلافها
قراءة خصومه ومنازعيه فيها وصوبها .
ولو كان ذلك منه تصويبا فيما اختلفت فيه المعاني ، وكان قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أنزل القرآن
على سبعة أحرف " ، إعلاما منه لهم أنه نزل بسبعة أوجه مختلفة وسبعة معان مفترقة ، كان
ذلك إثباتا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف ، ونفيا لما قد أوجب له من الائتلاف . مع
أن في قيام الحجة بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقض في شئ واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ،
ولا أذن بذلك لامته ، ما يغني عن الاكثار في الدلالة على أن ذلك منفي عن كتاب الله . وفي
انتفاء ذلك عن كتاب الله ، وجوب صحة القول الذي قلناه في معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " أنزل
القرآن على سبعة أحرف " عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلوه من
القرآن ، وفساد تأويل قول من خالف قولنا في ذلك . وأحرى أن الذين تماروا فيما تماروا فيه
من قراءتهم ، فاحتكموا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن منكرا عند أحد منهم أن يأمر الله عباده - جل
ثناؤه - في كتابه وتنزيله بما شاء ، وينهى عما شاء ، ويعد فيما أحب من طاعته ، ويوعد على
معاصيه ، ويحتج لنبيه ويعظه فيه ، ويضرب فيه لعباده الأمثال ، فيخاصم غيره على إنكاره
هامش
( 1 ) " جعل " هنا بمعنى أباح ، يعني أباح له فعله ، وأباح له تركه .
( 2 ) سورة النساء ، الآية : 82 .