استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنطنك إبطاء
إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك
أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الامل ، وربما سألت الشئ فلا تؤتاه ،
وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر
قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفي
عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له .
واعلم ! أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ،
وأنك في منزل قلعة ، ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي
لا ينجو منه هاربه ، ولابد أنه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على
حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة ، فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت
قد أهلكت نفسك .
يا بنى ! أكثر من ذكر الموت ، وذكر ما تهجم عليه ، وتفضي بعد الموت إليه ،
حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك .
وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبأك
الله عنها ، ونعت لك نفسها ، وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب
عاوية ، وسباع ضارية ، يهر بعضها بعضا ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها
صغيرها .
نعم معقلة ، وأخرى مهملة ، قد أضلت عقولها ، وركبت مجهولها ، سروح عاهة
بواد وعث ، ليس لها راع يقيمها ، ولا مسيم يسيمها .
سلكت بهم الدنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا
في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتخذوها ربا ، فلعبت بهم ، ولعبوا بها ، ونسوا
ما وراءها .
موسوعة الإمام الجواد ( ع ) — صفحة 573
مساهمون: أبي القاسم الخزعلي
ص٥٧٣