فلم يرد بها المولى سبحانه وتعالى ، غير تربية النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لصحابته ، على مبدأ الشورى فيما يتعلق بالمسائل الحياتيّة التي تعترضهم ، فلا ينصرف معنى الشورى والتشاور ، إلى ما يتعلق بأحكام الدين وتفاصيل الشريعة ; لذلك فان مقصد الآيتين في هذا الإطار ، ليس احتياج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أخذ آراء المحيطين به ، بقدر ما كان يراد به تربية الصحابة ومن سيأتي بعدهم على العمل بذلك المبدأ ، لأنّ علاقة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالوحي ، لا تترك له مجالا حتى يحتاج إلى أحد يعطيه رأيه في مسألة من المسائل العرضية .
أمّا ما حيك من روايات تُخطّىء النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وترجّح آراء بعض أصحابه عليه ، كرواية أسرى بدر ( 1 ) ، فمردود من ناحية كون النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معصوماً عن الخطأ ، ويجب أن يكون دوره دائماً ، هو المصحّح وليس العكس ، مضافاً لصريح القرآن الدال على وجوب طاعة النبي مطلقاً .
بعد هذه الحقائق المتتابعة ، هل يصحّ لنا أنْ نقول بأنّ ما أقدم على فعله هؤلاء الصحابة ، يعتبر شورى مستقاة من الدين الحنيف ، وليست ستاراً وهمياً أريد به الاستيلاء على السلطة ؟
أنا لم أجد مسوّغاً واحداً يؤيّد نسبة ما وقع إلى شورى مرجعها الدين الإسلاميّ ; لأنّها في واقع الأمر مجموعة من الأعمال المتناقضة التي هدّمت بعضها
هامش
1 - وحاصل الرواية أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) استشار أبو بكر وعمر في شأن أسارى بدر ، فقال أبو بكر : " يا نبيّ الله ، هم بنو العمّ والعشيرة . أرى أنْ تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكافر ، فعسى الله أنْ يهديهم للإسلام " أمّا عمر فرفض ذلك وقال : " ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنّي أرى أنْ تمكّنا فنضرب أعناقهم . . . " فهوى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ، لكنّ الله سبحانه وتعالى خالف الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووافق عمر فنزلت الآية : " ما كان لنبيّ أنْ يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض . . " [ الأنفال : 67 ] واُنظر ما تقدّم في صحيح مسلم 5 : 157 ، مسند أحمد 1 : 31 ، سنن الترمذي 4 : 336 ، وقد رواه مختصراً ، واُنظر عمدة القاري 4 : 144 حيث أشار إلى القصّة باعتبارها من موافقات عمر .