فاستمسك بعذره ( 1 ) .
ومراجعة عمر مرّة ثانية لأبي بكر غريبة جدّاً ، فكأنّ عمر بن الخطّاب ، لم يطمئنّ بكلام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهل يثق بكلام أبي بكر ويطمئنّ له أكثر من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ !
ولا نعلم لماذا يغضب عمر من كلام النبيّ ، ولا يغضب من كلام أبي بكر عندما أجابه نفس الجواب .
وعلى كلّ حال فإنّا نعود الآن لتكملة الحديث إذ جاء فيه : لمّا فرغ رسول الله من كتاب الصلح ، قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثُمّ أحلقوا ، فوالله ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرّات ، فلمّا لم يمتثل لأمره منهم أحد ، فدخل خباءه ثُمّ خرج فلم يكلّم أحداً منهم بشيء حتّى نحر بُدنةً بيده ، ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلمّا رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتّى كاد بعضهم يقتل بعضاً " ( 2 ) .
تعجّب " لاسينا " عند قراءته لهذه الواقعة ، واستغرب من فعل الصحابة ، فإذا كان الصحابة تصدر منهم مثل هذه المخالفة للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا يبعد إذن صدور مخالفة أخرى منهم له .
وأهل السنّة يقولون بأنّ الصحابة كانوا يمتثلون دائماً أوامر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكنّ هذه الواقعة تكذّب مدّعاهم وتبيّن بأنّ الصحابة لم يأتمروا دائماً بأوامر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وتصرّف الصحابة هذا غير هيّن وغير مقبول ولا يمكن تأويله وقد قال تعالى : * ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) * ( 3 ) .
هامش
1 - صحيح البخاري 3 : 182 ، كتاب الشروط .
2 - صحيح البخاري 3 : 182 ، كتاب الشروط .
3 - النساء ( 4 ) : 65 .