الحقّ ، والحقّ هنا مرّ كما يقال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " قل الحقّ ولو كان على نفسك ، وقل الحقّ ولو كان مرّاً " .
والحقّ في هذه القضية : هو أنّ هؤلاء الصحابة الذين طعنوا في تأمير اُسامة قد خالفوا أمر ربّهم وخالفوا الصريح من النصوص التي لا تقبل الشكّ ولا تقبل التأويل ، وليس لهم عذر في ذلك ، إلاّ ما يلتمسه البعض من أعذار باردة حفاظاً على كرامة الصحابة و " السلف الصالح " والعاقل الحرّ لا يقبل بحال من الأحوال هذه المتمحّلات ، اللّهم إلاّ إذا كان من الذين لا يفقهون حديثاً ولا يعقلون ، أو من الذين أعمت العصبية أعينهم ، فلم يعودوا يفرّقون بين الفرض الواجب طاعته والنهي الواجب تركه . .
ولقد فكرت مليّاً عساني أجد عذراً لهؤلاء مقبولاً ، فلم يسعفني تفكيري بطائل ، وقرأت اعتذار أهل السنّة ، أنّه كان حدثاً ولم يشارك في المعارك المصيرية لغزة الإسلام كمعركة بدر وأحد وحنين ، ولم تكن له سابقة بل كان صغير السن عندما ولاّه رسول الله إمارة السّرية ، وطبيعة النفوس البشرية تأبى بجبلتها إذا كانت بين كهول وشيوخ أن تنقاد إلى الأحداث وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبّان ، ولذلك طعنوا في تأميره وأرادوا منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يستبدله بأحد من وجوه الصحابة وكبرائهم .
إنّه اعتذار لا يستند إلى دليل عقلي ولا شرعي ، ولا يمكن لأي مسلم قرأ القرآن وعرف أحكامه إلاّ أن يرفض مثل هذا ، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول : * ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) * ( 1 ) ، * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
هامش
1 - الحشر ( 59 ) : 7 .