انصرف راجعاً إلى المدينة ، وكان معه في ذلك العام مائة وعشرون ألفاً ، ثمّ وصل إلى غدير خمّ ، وهو موضع بين مكّة والمدينة بالجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيّين والمصريّين والعراقيّين ، فنزل إليه الأمين جبرئيل ( عليه السلام ) وكان ذلك يوم الخميس ، فقال له عن اللّه تعالى :
* ( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * ( 1 ) .
وأمره أن يقيم عليّاً علماً للناس ، ويبلّغهم ما أنزل فيه من الولاية وفرض الطاعة ، فأمر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يردّ من تقدّم منهم ، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان وكان ذلك اليوم يوماً حارّاً بحيث يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء ، ثمّ نودي بالصلاة - صلاة الظهر - فصلّى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالناس ، ثمّ قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل ، وأسمع الجميع ، وقال فيما قال : " أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ نصف عمر الذي قبله ، وأنّي أوشك أن أدعى فأجيب ، وأنّي مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا تقولون ؟
قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك اللّه خيراً .
. . . ثمّ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟
قالوا : اللّه ورسوله أعلم .
قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ اللّه مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه " ( 2 ) .
وفي لفظ آخر قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
هامش
1 - المائدة ( 5 ) : 67 .
2 - انظر : المعجم الكبير للطبراني : 5 / 195 ، البداية والنهاية ، ابن كثير 5 / 150 ، الأحاديث المختارة ، المقدسي 2 / 105 ، ح 479 ، وقال : إسناده صحيح .