تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
على القولين المذكورين ، وإنما الخلاف في اعتبارها داخلة في طبيعة الفعل أو خارجة عنها . قلت : فالظاهر أن النزاع المذكور لا تعود بذلك لفظيا ، إلا أنه لا يخلو حينئذ عن ثمرة ظاهرة ، إذ كل موضوع يدعى فيه اختلاف الحسن والقبح بالوجوه الخارجة يجوز للآخر أن يجعلها داخلة في ذات الفعل . ثم لا يخفى أن ما ذكر من اختلاف طبيعة الفعل باختلاف كل من القيود مجازفة بينة ، لوضوح أن أكل الميتة في حال السعة والشدة طبيعة واحدة ، غير أن الوقوع في الشدة قاض بتحليله بخلاف ما إذا كان في حال السعة ، وكذا الحال في سائر المعاصي حال الخوف على النفس أو العرض أو المال أو عدمه على اختلاف المقامات ، فالقول المذكور إذا كان مبنيا على الالتزام المفروض كما هو قضية الجواب المذكور فهو بمكان من الوهن . وقد يجاب عن الثاني أيضا : بأن القول باختلاف الطبيعتين مع اختلاف الجهات مما لا بعد فيه في جملة من المقامات كضرب اليتيم ظلما وضربه تأديبا ، فإن مجرد اندراجهما في اسم الضرب لا يقضي باتحاد طبيعة الفعل ، وكذا الحال في القتل ظلما أو قصاصا أو على سائر الوجوه المجوزة ، وكذا أكل المال تعديا أو عن إذن المالك إلى غير ذلك ، فإن من الظاهر أن القائل بكونهما ذاتيين قائل باختلاف الحكم في المقامات المذكورة ، وليس ذلك إلا بجعلها طبائع مختلفة يكشف عنها الشريعة . وأما في ما لا يمكن فيه ذلك فنلتزم هناك بحصول الوصفين ونقول باختلاف محلها كما في أكل الميتة عند الشدة ، فإن أكل الميتة حينئذ قبيح أيضا ، إلا أن حفظ النفس المتوقف عليه واجب أيضا ، وتركه قبيح ، والقبح هناك أعظم من قبح أكل الميتة ، فيترجح عليه ، وكذا غصب أموال الناس قبيح وحفظ دماء المسلمين واجب ، فإذا توقف على غصب أموالهم حفظ الدماء مع بقاء القبح فلا بد حينئذ من مراعاة أقل القبيحين إن كان هناك ترجيح ، وإلا فلا بد حينئذ عن غصب أموالهم
هداية المسترشدين — صفحة 534 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني