تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
أما الأول : فإنا نفرض ذلك فيمن لا إلف له بالشريعة والعادة أصلا . ومن البين : أنه يحكم بعين ما حكمنا ويقطع بمثل ما قطعنا ، أو نقطع النظر عن ملاحظة الشرع والعادة بالمرة ومع ذلك نجد من أنفسنا إدراك الحكم المذكور كذلك من غير ريبة . وما قد يتوهم : من أن فرض انتفاء الشئ غير انتفائه في الواقع ، فإذا كان الإلف بالشرع قاضيا بذلك كان ذلك سببا لإدراك العقل وإن فرض العقل انتفاء الشرع أو العرف مدفوع بأن العلم الحاصل من الأسباب إنما يكون بملاحظة العقل ذلك السبب ، وإن فرض العقل انتفاء تلك الأسباب لا يحصل العلم بتلك الأشياء على ذلك التقدير . ألا ترى أنه لو قطع النظر عن المقدمتين لم يحصل للنفس علم بالنتيجة ، وإنما يحصل لها العلم بها مع ملاحظتها إما تفصيلا أو إجمالا ، وكذلك العلم الحاصل من جهة الحواس كالإبصار والإسماع ونحوهما ، فلو قطع النظر عن الإحساس وفرض عدمه لم يحكم العقل بشئ منها ، وكذا الحال في الأحكام العادية كقبح المشي عريانا في المجالس والأسواق ومجامع الناس ، والأحكام الشرعية حتى ضروريات الدين والمذهب - كوجوب الصلاة والصيام ونحوهما - فإنه لو قطع النظر عن ملاحظة العادة والشرع لم يكن هناك حكم بأحد الطرفين ، مع أنا نعلم في المقام علما ضروريا بثبوت الحكم المذكور من دون تفاوت أصلا بين وجود الشرع والعادة وعدمهما . والحاصل : أن العقل إذا قطع النظر عن جميع ما عداه وجد العلم المذكور حاصلا له ، وهو دليل على كونه من الفطريات الأوليات ، إذ لو لم يكن كذلك وكان متوقفا على أحد الأسباب لم يكن حكم العقل به كذلك . فظهر بما قررنا ضعف ما قد يورد في المقام من أن الحكم في المقام ضروري حاصل من العادة فيتوقف العلم به على العلم بسببه في الجملة ، لكن لما حصل ذلك وشاع ورسخ في النفوس وصار من الواضحات عندها بلغ في الوضوح إلى حيث استغنت النفس عن ملاحظتها فيحكم بها مع غفلتها عن السبب .