تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
إذا صدر من غير المميز لم يجد اختلافا بينهما أصلا ، مع أن مخالفات الطبع مما يدركه غير المميز في الغالب ، فليست الموافقة والمخالفة في المقام إلا للعقل ، وهو ملزوم الحسن والقبح العقليين ، لملائمة العقل للأمور المحسنة وتنفره من الأمور المستقبحة كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر الحواس بالنسبة إلى ما يلائمها وينفر عنها ، وصفة الكمال والنقص إن ثبت حصولها في الأفعال فليس إلا من جهة الحسن أو القبح ، إذ ليس الفعل المتصف بالكمال إلا ما يمدح فاعله والمتصف بالنقص ليس إلا ما يذم فاعله . وقد اعترف به صاحب المواقف حيث أورد على أصحابه المستدلين على امتناع الكذب عليه تعالى بكونه صفة نقص والنقص عليه محال بالإجماع قائلا : إنه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي ، فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه فيها ، وإنما يختلف العبارة . وهو كما ترى بمنزلة اعترافه بالحق ، لإقرار أصحابه كما هو مقتضى الضرورة من كون الكذب نقصا ، واعترافه بكون ذلك عين القبح المتنازع . وقد يورد في المقام تارة : بمنع قيام الضرورة من العقل بحسن شئ أو قبحه ، وما ادعي من إدراك الحسن والقبح في الأمور المذكورة فإنما هو من جهة الإلف بالشريعة وملاحظة أحكام الشرع والعادة ، لا من مجرد العقل . وتارة بالمنع : من كون المدرك هو الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه ، بل قد يكون بأحد المعاني الاخر الخارجة عن محل النزاع كموافقة الغرض ومخالفته وصفة الكمال والنقص ونحوهما . وأخرى : بأن ذلك لو سلم فإنما يفيد ثبوت الحسن والقبح بالنسبة إلى أفعالنا دون أفعاله تعالى ، واستنباط الأحكام الشرعية من العقل مبني عليه . وقياس الغائب على الشاهد مما لا وجه له سيما بالنسبة إلى الله تعالى ، مع أنا نقطع بأنه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية ، مع أنه قبيح منا . واندفاع الجميع ظاهر .