تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
واستلزام وجوب الشئ حرمة أضداده ، فإن العقل أولا لا يحكم بوجوب المقدمة ولا بحرمة الضد ، وإنما يحكم بهما بعد الحكم بوجوب الشئ ولو من جهة حكم الشرع به ، فهو إذن حكم عقلي تابع لحكم الشرع ، والظاهر أن ما كان اللزوم فيها بينا بالمعنى الأخص خارج عن الأدلة العقلية ، لاندراجه إذن في المداليل اللفظية فيندرج في مداليل الكتاب والسنة . وعلى هذا فدرج بعضهم مباحث المفاهيم في هذا القسم ليس على ما ينبغي . ومن الثالث أصالة البراءة والإباحة عند عدم قيام دليل على الوجوب والحرمة فان مقتضاهما جواز الترك والفعل في ظاهر الشرع ، وإن كان الفعل واجبا أو محرما بحسب الواقع كما سيجئ تفصيل القول فيهما إن شاء الله . وقد يورد في المقام : أن القسم الأول - وهو ما يستقل العقل بإدراكه - لا يصح عده من أدلة الأحكام ، فإن الدليل ما يستدل به العقل على الحكم في ما يحتاج إلى الاستدلال ، والعقل في المقام هو الحاكم والمدرك للحكم كما أن الشارع حاكم به ، فكما لا يعد الشارع دليلا على الحكم بحسب الاصطلاح فكذا العقل . وأجيب عنه : بأنه ليس المقصود من ذلك كون نفس العقل دليلا ، بل المدعى كون حكم العقل دليلا على ما حكم به ، فالدليل هو تحسين العقل وتقبيحه وحكمه باستحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ، ومدلوله من الأحكام الشرعية من الوجوب والتحريم وغيرهما مما دل العقل عليه ، وهذا المدلول هو ما حكم به ودل العقل عليه . وفيه : أن حكم العقل وإدراكه ليس دليلا على المحكوم به ، بل الدليل هو الأمر الموصل إلى الإدراك المفروض من المقدميتن أو الحد الأوسط . فالحق في الجواب أن يقال : إن الدليل في المقام هو حكم العقل بحسن الفعل أو قبحه عقلا ، فإنه دال على حكم الشارع به أيضا ، نظرا إلى ما دل على الملازمة بين حكمي العقل والشرع . نعم قد يجعل متعلق ادراك العقل نفس حكم الشرع حيث يدرك العقل أولا كون ذلك مما حكم به الشرع ، وحينئذ لا يصح عد الحكم
هداية المسترشدين — صفحة 497 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني