تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 696

مساهمون:

ص٦٩٦
احتج القائل بكونه أمرا بالشئ : بأن ذلك هو المفهوم منه بحسب العرف . ألا ترى أنه لو قال الملك لوزيره " مر فلانا بكذا " لم يفهم منه عرفا إلا كون السلطان آمرا إياه بذلك الشئ . وأجيب عنه : بالمنع من فهم العرف مطلقا ، وفهمه ذلك في المثال المفروض بقرينة المقام لكون الوزير مبلغا لا أصيلا ، ولا كلام فيه مع قيام القرينة ودلالة خصوص المقام عليه . هذا تمام ما ذكروه من أدلة الطرفين مع بيان ما يرد عليه . وتوضيح الكلام في المقام أن البحث هنا في أمرين : أحدهما : أن الأمر بالأمر بالشئ هل هو أمر بذلك الشئ وإن لم يتحقق أمر من المأمور بالأمر أو لا ؟ وهذا هو الظاهر من العنوان . والثاني : أنه لو أمر المأمور بذلك الشئ هل يكون أمرا من قبل الآمر بالأمر سواء كان أمرا في الحقيقة من قبل المأمور أو لا ؟ أو أنه لا يكون أمرا إلا من المأمور . ثم نقول : إن الآمر بالأمر إما أن يأمر به مطلقا أو يأمره بالأمر من قبل نفسه أو من قبل الآمر ، وعلى كل حال فالمأمور بالأمر إما أن يأمره من قبل الآمر أو من قبل نفسه أو من قبلهما معا كمطلق الأمر ، أو لا يلاحظ شيئا من الوجوه المذكورة فإن أمره بالأمر من قبل الآمر وتحقق الأمر من المأمور ، فلا شك في كونه أمرا من الآمر ، إذ لا مانع من التوكيل في الأمر فإن أوقع الأمر على الوجه المذكور لم يكن أمرا من الآمر بالفعل ، بل إنما يكون في الحقيقة أمرا من الآمر بالأمر ، وهل يكون مجرد أمره بالأمر أمرا وإن لم يتحقق الأمر من الآخر ؟ وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك الأمر أمرا للآخر بذلك الفعل فيجب عليه الفعل إذا بلغه ذلك وإن لم يأمره الآخر ، وكان هذا هو الظاهر في العرف ، لدلالة ذلك على كون الفعل محبوبا له ، مريدا لوقوعه منه ، وهو معنى الأمر . ولذا لو بلغه ذلك ولم يفعل عد عاصيا في العرف وذمه العقلاء وصح له عقوبته وإن لم يأمره الآخر إذا كان ممن يجب عليه إطاعة الآمر .
هداية المسترشدين — صفحة 696 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني