تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حديث الطلب والإرادة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ولكن النسبتين محفوظتان ، لأن ما يفاض من الحق هو الخيرات ، ولازمة هذه الخيرات تخلل الشرور على سبيل الانجرار والتبعية ، فتنسب إليه سبحانه بالعرض وإلى ذوات الأشياء بالذات . كما أن القرآن الكريم أفصح عن هذين المعنيين بالنظرين ، فبالنظر إلى غلبة سلطان الوحدة واضمحلال النقائص والكثرات قال : * ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله ) * ( النساء : 78 ) . وبالنظر إلى تخلل الكثرة ولحاظ الوسائط قال : * ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) * ( النساء : 79 ) . اعلم : أن المحققين من الفلاسفة قالوا : إن لفعل الله المطلق ليس غاية وغرض غ 0 ير ذاته المقدسة ، لأن كل فاعل إذا كان له غاية غير ذاته فهو مستكمل بتلك الغاية ، وذلك مستلزم للنقص ، والواجب تعالى واجب من جميع الجهات ، فحيث ليس له غاية في فعله المطلق غير ذاته فليس له فيه لمية ولا سؤال عن اللمية ، فهو سبحانه وتعالى * ( لا يسأل عما يفعل ) * . وأما سائر الموجودات في أفعالها فلها أغراض وغايات غير ذواتها ، فعشاق جمال الحق والمقربون المجذوبون غايتهم في أفعالهم الوصول إلى باب الله والنيل إلى لقائه وغيرهم على حسب الكمال ، والنقص ذو غرض زائد على الذات . وبالجملة : أن الحق المتعالي كما هو الكمال المطلق برئ عن اللمية ، كذا فعله المطلق برئ عن اللمية ، بخلاف سائر الموجودات . وأيضا لما كانت ذاته المقدسة كاملة وجميلة على الإطلاق فهو كعبة آمال كل الموجودات ، وليس له وراء ذاته قبلة وغاية ، ف‍ * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * ( الأنبياء : 23 ) . وأيضا لما كانت ذاته المقدسة في الغاية القصوى من الجمال والكمال فنظام دائرة الوجود الذي هو الظل لهذا الجمال المطلق لا بد وأن يكون في الغاية القصوى من الكمال