وبعبارة أخرى : نعني به أن كل واحد منهما موازن بالآخر ، ولكن الأصل في هذه
الموازنة والتطابق هو المعلوم ، وشأن العلم هو الحكاية من وجه عن المعلوم ، ومن البديهي
أن الحاكي من حيث الحكاية متأخر .
وقوله : " فأول ما خلقه الله تعالى حقيقة بسيطة روحانية . . . " إلى آخره ، اعلم : أن
أولياء الحكمة وأصحاب البرهان ذكروا لإثبات هذه الحقيقة البسيطة الروحانية مناهج
كثيرة :
منها : أن الواحد الحقيقي بما هو واحد لا يصدر عنه من تلك الحيثية إلا واحد ، وأن
ليس في طباع الكثرة بما هي كثرة أن تصدر عن الواحد . وقالوا : لعل هذا الأصل من
فطريات الطبع السليم والذوق المستقيم ، وقد مر بعض الكلام المرتبط بهذا الأصل في
أثناء مسألة إبطال الجبر ، وقلنا : إن لازمة بساطة الذات وعينية الصفات معها أن تكون
مصدرا للفعل ، ولا بد وأن يكون معلولها هو الوجود البسيط الذي هو عين الربط به تعالى ،
فلا جهة كثرة فيه بمقتضى المسانخة الذاتية بين المعلول وعلته ، وهي المخصصة لصدور
هذا المعلول منها دون غيره ، وإلا جاز أن يكون كل شئ معلولا لكل شئ .
فالمعلول للواحد الصرف البسيط يمتنع أن يكون مركبا أو كثيرا أو متغيرا .
ولهم في ذلك مناهج أخر وبراهين ساطعة يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار .
فليراجع إلى محالها بعد استصحاب الصلاح اللازم .
فهذا الموجود البسيط الروحاني المتوسط بينه تعالى وبين عالم الخلق لا بد وأن
يكون عقلا دون النفس ، فضلا عن الجسم والمادة والصورة ، لعدم صلوحها لذلك كما قرر
في محله .
ومن المبرهن : أن هذا الجوهر العقلي بوحدته الظلية للواحد القهار جامع لكل
كمال وجمال . والنقل يؤيده ، وفي الخبر : " أول ما خلق الله العقل " أو " القلم " وفي بعض
آخر : " أول ما خلق الله نوري " ، وفي خبر جابر بن عبد الله قال : قلت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
حديث الطلب والإرادة — صفحة 120
مساهمون: السيد الخميني
ص١٢٠