السيد في حواشي شرح الشمسية أن أرباب العربية والأصول يستعملون الحد بمعنى المعرف ، وأن
اللفظ إذا وضع في اللغة أو الاصطلاح لمفهوم مركب ، فما كان داخلا فيه كان ذاتيا له ، وما كان
خارجا عنه كان عرضيا له ، فحدود هذه المفهومات ورسومها تسمى حدودا ورسوما بحسب الاسم ، بخلاف الحقائق فإن حدودها ورسومها بحسب الحقيقة .
إذا عملت ذلك ظهر لك أن حد الفقه كغيره من العلوم حد اسمى لتبيين ما تعلقه الواضح
ووضع الاسم بإزائه ، فلذا جعلوه مقدمة للشروع . وجوز بعضهم كونه حدا حقيقيا ، وعليه فقيل : لا
يكون مقدمة لان الحد الحقيقي بسرد العقل كل المسائل : أي بتصور جميع مسائل العلم المحدود ،
وذلك هو معرفة العلم نفسه لا مقدمة الشروع فيه . وقيل : يجوز أخذ جنس وفصل له بلا حاجة إلى
سرد الكل فلا مانع من وقوعه مقدمة ، وجعل في التحرير الخلاف لفظيا وتمام تحقيقه فيه ، فافهم .
قوله : ( ويعرف موضوعه الخ ) اعلم أن مبادئ كل عشرة نظمها ابن ذكري في تحصيل المقاصد
فقال :
فأول الأبواب في المبادي * وتلك عشرة على المراد
الحد والموضوع ثم الواضع * والاسم واستمداد حكم الشارع
تصور المسائل الفضيلة * ونسبة فائدة جليله
بين الشارح منها أربعة وبقي ستة
فواضعه أبو حنيفة رحمة الله تعالى . واسمه الفقه . وحكم الشارع فيه وجوب تحصيل المكلف ما
لا بد له منه . ومسائله كل جملة موضوعها فعل المكلف . ومحمولها أحد الأحكام الخمسة ، نحو هذا
الفعل واجب . وفضيلته كونه أفضل العلوم سوى الكلام والتفسير والحديث وأصول الفقه . ونسبته
لصلاح الظاهر كنسبة العقائد والتصوف لصلاح الباطن ، أفاده ح . قوله : ( ثم خص بعلم الشريعة ) نقله
في البحر عن ضياء الحلوم . قوله : ( وفقه الخ ) قال في البحر بعد كلام : والحاصل ، أن الفقه اللغوي
مكسور القاف في الماضي ، والاصطلاحي مضمومها فيه كما صرح به الكرماني . ونقل العلامة
الرملي في حاشيته عليه أنه يقال فقه بكسر القاف : إذا فهم ، وبفتحها : إذا سبق غيره إلى الفهم ،
وبضمها : إذا صار الفقه له سجية . قوله : ( واصطلاحا ) الاصطلاح لغة : الاتفاق . واصطلاحا : اتفاق
طائفة مخصوصة على إخراج الشئ عن معناه إلى معنى آخر ، رملي . قوله : ( العلم بالأحكام الخ )
اعلم أن المحقق ابن الهمام أبدل العلم بالتصديق وهو الادراك القطعي ، سواء كان ضروريا أو نظريا ، صوابا أو خطأ بناء على أن الفقه كله قطعي
فالظن بالأحكام الشرعية وكذا الاحكام المظنونة ليسا من الفقه ، وبعضهم خصه بالظنية ،
فيخرج عنه ما علم ثبوته قطعا . وبعضهم جعله شاملا للقطعي والظني . وقد نص غير واحد من
المتأخرين على أنه الحق وعليه عمل السلف ، وتمامه في شرح التحرير . فالمراد بالعلم هنا الادراك
الصادق على اليقين والظن كما هو اصطلاح المنطقي .
حاشية رد المحتار — صفحة 38
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٨