العمل . إلَّا أنّ المسوّغ للتكليف هناك لعلَّه الابتلاء والامتحان ، وفيما نحن فيه إرادة رفع مفسدة ترك ما كان محبوبا على وجه عدم الرضا بالترك .
فمقصود الشارع من أمر الكافر بالحجّ بعد زوال الاستطاعة هو إزالة مفسدة ترك الحجّ عن الكافر في زمان كفره ، فهو لطف له من هذه الجهة ، وهذا بعينه هو المقصود من التكاليف الحقيقيّة ، فإنّ المقصود من التكليف مع إرادة الفعل حقيقة هو تعريض المكلَّف للثواب فكذلك المقصود هنا من التكليف تخليصه من عقاب الترك الحاصل على موته كافرا .
فهذا التكليف أقرب إلى التكليف الحقيقيّ ، من التكليف المنسوخ قبل حضور وقت العمل ، نظرا إلى أنّ الفعل المكلَّف به في التكليف المنسوخ ليس مشتملا على مصلحة ولا تركه على مفسدة ، بخلاف الفعل المكلَّف به فيما نحن فيه ، فإنّ في فعله مصلحة ملزمة وفي تركه مفسدة موبقة ، حتّى أنّ جبّه بالإسلام لأجل التفضّل والتسهّل ، لا لصيرورته بالإسلام لغوا خاليا عن المصلحة . فتدبّر .
ولكن قد يقال بمنافاة كون التكليف بالقضاء والحجّ مستفادا من عمومات الأمر بها الشامل لجميع الناس ، فإنّ هذا الأمر العامّ ليس إلَّا أمرا حقيقيّا قصد به نفس الفعل ، فلو أريد به بالنسبة إلى الكافر ما ذكرت لزم استعمال اللفظ في معنيين . اللَّهمّ إلَّا أن يقال : إنّ هذا ليس استعمالا في معنيين ، وإنّما هو أمر أشخاص مختلفة لدواع مختلفة ، فافهم .
وكيف كان فيترتّب على ما ذكرنا - من مسألتي وجوب الحجّ على من أسلم مع بقاء استطاعته ، وعدم إجزاء الحجّ من الكافر المستلزم لعدم إجزاء أيّ جزء وقع منه حال الكفر - أنّه
( إن أحرم حال كفره لم يجزئ عنه ) ؛ لما تقدّم من عدم إجزاء الكلّ منه . وحينئذ ( فإن ) فرض أنّه
كتاب الحج — صفحة 84
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٨٤