فقد روى أحمد والشيخان عنه أنه قال : سمعت رسول الله يقول : " والله
لان يأخذ أحكم حبلا فيحتطب على ظهره فيأكل ويتصدق ، خير له من
أن يأتي رجلا أغناه الله عز وجل من فضله فيسأله ، أعطاه أو منعه " ( 1 ) .
ويبدو أن الرسول صلوات الله عليه لما وجد أن طبيعة أبي هريرة قد استعصت
عليه أقصاه عن المدينة إلى البحرين وسنعرض لهذا الامر فيما بعد .
وإليك حديثا رواه مسلم عن أبي هريرة نأتى به هنا لأنه يتصل بموضوعنا :
شر الطعام طعام الوليمة ، يمنعها من يأتيها " أي بغير دعوة " ويدعى إليها من
يأباها ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ! أي أنك إذا لم تجب الدعوة
إلى الولائم لتتملأ منها فقد عصيت الله ورسوله ، بهذا يقضى أبو هريرة بمقتضى
أحكام شريعته في الطعام !
مزاح أبي هريرة وهذره
أجمع مؤرخو أبي هريرة على أنه كان رجلا مزاحا يتودد إلى الناس ويسليهم
بكثرة مزاحه وبالاغراب في قوله ، ليشتد ميلهم إليه ، ويزداد إقبالهم عليه .
قالت عائشة وهي أعلم الناس به في حديث المهراس : " لقد كان رجلا
مهذارا " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) راجع صفحة 49 من هذا الكتاب .
( 2 ) في لسان العرب مادة " هذر " الهذر هو الكلام الذي لا يعبأ به ، وهذر في كلامه
كفرح . أكثر من الخطأ والباطل ، والهذر الكثير الردئ ، وقيل هو سقط الكلام والاسم الهذر وهو
الهذيان . وحكى ابن الأعرابي : من أكثر أهذر أي جاء بالهذر - وقد أثارت كلمة عائشة هذه ثائرة
- مصطفى السباعي - أحد الذين انتقدونا عندما قرأها في كتابنا " أضواء على السنة " وكذب خبرها ثم
اندفع فألقى إلينا هذا التحدي " إن أحدا لم يصف أبا هريرة بأنه مهذار ! ونحن نتحداه أن يأتينا
برواية صحيحة في هذا الشأن " وقد لف هذا التحدي في خرقة قذرة من السب والشتم الذي ملا به كتابه ،
وخصنا به ! وقد عجبنا أن يصدر هذا التحدي من مثله وهو - كما يزعم - رئيس قسم الفقه ومذاهبه في
جامعة دمشق وأستاذ الأحوال الشخصية في كليتي الشريعة والحقوق - ما أكثر الألقاب وما أحقر
الهر . . وكيف غاب عنه أن يطلع على هذا الخبر وهو في أكبر مصدر يجب على مثله أن يدرسه ويطلع
عليه ؟ وهذا المصدر هو الاحكام في أصول الاحكام للآمدي الذي لم يؤلف مثله في موضوعه فليرجع إليه
في الصفحة 106 من الجزء الثاني ونصه فيه " إن الصحابة أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته ، حتى
قالت عائشة رضي الله عنها : رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا " في حديث المهراس . أفهمت
يا مولانا ، وهذا الكتاب طبع بمطبعة المعارف بمصر في سنة 1332 ه 1914 ميلادية .