استفرغا الوسع فلم يتشبثا بشئ سوى ردة الرحال وحينئذ سجدا لله شكرا
وكانا بعد ذلك يقولان : فما أمنا بعد قول النبي صلى الله عليه وآله ما قال حتى صنع الرحال
ما صنع ( 1 ) .
على أنه لا فرق في هذه المشكلة بين عدم البيان وخفائه بعد صدوره
لاتحاد النتيجة فيهما ، إذ لا مندوحة لنا - على كلا الفرضين - عن العمل بما
يقتضيه العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة كما لا يخفى .
( فان قلت ) : إنما كان المنصوص عليه بهذا الذم مجملا قبل التحاق الرحال
بمسيلمة وموته مرتدا وبمجرد صنعه ما صنع تعين أنه هو المراد دون صاحبه ، وحينئذ لا اجمال ولا اشكال .
( قلنا ) : أولا ان المتبادر من قوله صلى الله عليه وآله : لضرس أحدكم في النار انما
هو الجميع على حد المتبادر من قوله تعالى " وإذا بشر أحدهم بالأنثى " واذن فلا
اجمال في المنصوص عليه بالذم هنا ولا أثر لردة الرحال للعلم بسوء حاله وحال
صاحبيه منذ باؤوا بالضرس والقفا .
( وثانيا ) : ان الأنبياء عليهم السلام كما يمتنع عليهم ترك البيان مع الحاجة إليه
يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة ، ولعلك تعلم أن وقت الحاجة هنا
متصل بصدور هذه الكلمة في حقهم من رسول الله ( ص ) ( لو كان لأحدهم
شئ من الاعتبار ) لأنهم منذ أسلموا كانوا محل الابتلاء في حديثهم وشهاداتهم
والائتمام بهم ، والوصاية إليهم ، والتولية لهم ، وما إلى ذلك من حقوق المدنية
( في الدين ) فلولا وجوب اقصائهم عنها لما ترك صلى الله عليه وآله البيان حتى لحق بالرفيق
الاعلى ، وما كان ليتكل في ذلك على ما صنع الرحال من الردة بعد وفاته .
( وثالثا ) : ان الفرات بن حيان كان جاسوسا للمشركين ، وعينا لأبي
هامش
( 1 ) سجودهما حينئذ لله كشرا وقولهما فما أمنا ثابتان عنهما ، ومذكوران في
ترجمة فرات من الاستيعاب والإصابة وغيرهما .