العرب تقول في المدح : كف أحدهم تمرطر ذهبا ، وقلب أحدهم يفيض حنانا ،
وفي الذم : وجه أحدهم عنوان الوقاحة ، وقلب أحدهم أنسى من الصلد ، فلا
ترتد واحدا منهم بعينه وانما تريد الجميع ، وهذا هو المراد في الحديث وهو
المتبادر منه إلى الأذهان .
ولو أراد صلى الله عليه وآله واحدا منهم بعينه لا بأنه بقرينة تعينه . فان تأخير البيان
في مثل هذا المقام مما لا يجوز على الأنبياء لقبحه عقلا بسبب استلزامه ظلم
البريئين منهم ، لأنه متى علم أن أحدهم من أهل النار وانه غدار ، ولم يعرف
بعينه تفصيلا سقط الثلاثة عن درجة الاعتبار ، إذ لا يركن بعدها إليهم ، ولا
يعتمد عليهم ، ولا يؤبه بما يقولون في أصول أو فروع ولا يحتج بحديثهم ،
ولا تقبل لهم شهادة في مرافعة أو غيرها ، ولا يولون أمرا من أمور المسلمين ،
ولا يوكل إليهم شأن تشترط الوثاقة فيمن يوكل إليه ، فيحرمون بأجمعهم بحديثهم من
الحقوق المدنية في الاسلام ، ويجب على الأمة اجتنابهم في كل شئ تشترط فيه
العدالة نزولا على حكم القاعدة العقلية في الشبهة المحصورة مع العلم الاجمالي كما
هو مقرر في محله من الأصول .
وحسبك بهذا سقوطا لكل من الثلاثة على السواء .
وإذا كان أحدهم بعينه هو الجهنمي الغادر المستوجب للحرمان فما ذنب
الآخرين ؟ أيجوز على سيد الحكماء ، وخاتم الأنبياء أن يسقط برئين فنجعلهما
طيلة حياتهما بحكم الغدار من أهل النار ؟ ثم يلقى الله تعالى عن غير بيان حاشا لله
وما الذي منعه ان يقول مشيرا إليه نفسه : لضرس هذا في النار أعظم من أحد
لو لم يكونوا جميعا في الامر على السواء .
( فان قلت ) . لعله صلى الله عليه وآله عين الرحال حينئذ بقرينة لفظية أو حالية
كالايماء إليه بالخصوص مثلا ثم خفيت علينا .
( قلنا ) : لو كان ثمة قرينة ما خفيت على أبي هريرة وفرات ، وقد
أبو هريرة — صفحة 213
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٢١٣