الحكيم الا ائتمر به ، وما ن زجر في القرآن العظيم الا انزجر به ، وما من
حكمة الا اخذ بها ، كان القرآن نصب عينيه ، يقتفي أثره ، ويتبع سوره ،
وهذه الآية مما جاء في سياق آدابه وأخلاقه ، فانظر إلى ما قبلها من الآيات البينات
تجد الحكمة ، وفصل الخطاب ، فان ما قبلها بلا فصل ( ادفع بالتي هي أحسن
فذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها الا الذين صبروا وما
يلقاها الا ذو حظ عظيم ) .
هذه هي الغاية في الأخلاق طبع الله عليها عبده ، وخاتم رسله ، فكان
صلى الله عليه وآله يمثلها في هديه منذ قال في مبدأ أمره ( ودم جبهته يسيل على وجهه ولحيته )
اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون إلى أن نادى مناديه يوم الفتح وكان في منتهى
عمره من خل دار أبي سفيان فهو آمن .
أرهف الله عزائمه ، وشحذ هممه للاخذ بهذه التعاليم وحمله على هذه
الأخلاق بكل أسلوب يأخذ إليها بالأعناق ، ألا تراه جل وعلا كيف لم يكتف
ببعثه عليها حتى شوقه إليها ، وبلغ الغاية في تحظيضه عليها ، فقال وهو أصدق
القائلين : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ثم لم
يقف على هذا الحد في ارهاف عزيمته حتى حذره مما طبع البشر عليه من فورة
تكون في النفس ، ونزغة - أي نخسة - تكون في القلب عند هجوم الأذى ،
اممض من العدو الملح ، وسمي تلك النخسة البشرية نزغا من الشيطان على سبيل
المجاز تنفيرا منها وتنزيها عنها فقال ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ
بالله ) أي وإما ينخسنك من الغضب الذي طبع عليه البشر نخس يشبه نزغ
الشيطان في تضييق الصدر وتوهين عرى الصبر ( فاستعذ بالله ) ونظير هذه
الآية قوله عز من قائل - في سورة الأعراف - ( خذ العفو وأمر بالعرف
وأعرض عن الجاهلين * واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه سميع
عليم ) فان الله عز وجل أراد صيانة حبيبه عن مقابلة الجاهلين الذين قامت عليهم
أبو هريرة — صفحة 101
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص١٠١