ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم . فلما ودع عبد الله
ابن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى ، فقالوا :
ما يبكيك يا بن رواحة ؟ فقال : أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ،
ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عز وجل ،
يذكر فيها النار ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا - 71 من
سورة مريم ) ، فلست أدرى كيف لي بالصدر بعد الورود ، فقال المسلمون :
صحبكم الله ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين ، فقال عبد الله بن رواحة :
لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي * أرشده الله من غاز وقد رشدا
قال ابن إسحاق : ثم إن القوم تهيئوا للخروج ، فأتى عبد الله بن رواحة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ، ثم قال :
فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة * الله يعلم أنى ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر
قال ابن هشام : أنشدني بعض أهل العلم بالشعر هذه الأبيات :
أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن * في المرسلين ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة * فراسة خالفت فيك الذي نظروا
يعنى المشركين ، وهذه الأبيات في قصيدة له .
قال ابن إسحاق : ثم خرج القوم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
ليشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم ، قال عبد الله بن رواحة :
السيرة النبوية — صفحة 830
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٨٣٠