وتكفرون ببعض } أي تفاديه بحكم التوراة وتقتله ، وفى حكم التوراة أن
لا تفعل ، تقتله وتخرجه من داره وتظاهر عليه من يشرك بالله ، ويعبد الأوثان
من دونه ، ابتغاء عرض الدنيا . ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -
فيما بلغني - نزلت هذه القصة .
ثم قال تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل
وآتينا عيسى بن مريم البينات } ، أي الآيات التي وضعت على يديه : من
إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ،
وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم
من التوراة مع الإنجيل ، الذي أحدث الله إليه ، ثم ذكر كفرهم بذلك كله ،
فقال : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا
كذبتم وفريقا تقتلون } ، ثم قال تعالى : { وقالوا قلوبنا غلف } : في
أكنة . يقول الله عز وجل : { بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون .
ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، وكانوا من قبل
يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله
على الكافرين } .
قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه
قال قالوا : فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة ، كنا قد علوناهم ظهرا في الجاهلية ،
ونحن أهل شرك ، وهم أهل كتاب ، فكانوا يقولون لنا : إن نبيا يبعث الآن
نتبعه ، قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما بعث الله رسوله
صلى الله عليه وسلم من قريش فاتبعناه كفروا به . يقول الله : { فلما جاءهم
ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ، بئسما اشتروا به أنفسهم
السيرة النبوية — صفحة 383
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٣٨٣