تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهداية في الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
- كالعاصي - ملتفت إلى أنّ فعله مصداق للهتك والظلم ، فقد هتك عن اختيار والتفات ، وهو كذلك ممّا يستقلّ العقل بقبحه ويدرك أنّه يحقّ أن يذمّ فاعله ، ولو ذمّ فاعله عليه لوقع الذمّ في محلَّه . ومن هنا لو اعتقد أحد بأنّ المائع الخارجي ماء وشربه بهذا الاعتقاد ، لم يتّصف فعله وشربه بالقبح ولو كان في الواقع خمرا . وأقوى شاهد على ما ذكرنا أنّه لم يستشكل أحد من العقلاء ولم يشكّ في اتّصاف الفعل المنقاد به بالحسن واستحقاق المنقاد المدح عليه ، وهل يرضى أحد أنّ من قطع بأنّ مولاه يطلبه في الليل فوافق قطعه ، وذهب إليه في الليلة الباردة المظلمة ، وتحمّل المشاقّ الكثيرة وبعد ذلك انكشف أنّ المولى لم يكن يطلبه ، أنّه لم يفعل فعلا حسنا ولا يستحقّ المدح عليه ؟ كلَّا بل يراه العقلاء عبدا مطيعا منقادا طالبا لرضا مولاه ، ويمدحونه على هذا الفعل ، ويمدحه مولاه عليه ، بل يثيبه لذلك ، ومن المعلوم أنّ التجرّي والانقياد يرتضعان من ثدي واحد واتّصافهما بالحسن والقبح بمناط فارد . أمّا الحيثيّة الثانية - وهي أنّ هذا القبح العقلي المتّصف به التجرّي هل يستتبع حكما شرعيّا أم لا ؟ - فالحقّ فيها هو عدم الاستتباع ، وذلك لأنّه لا وجه له إلَّا دعوى الملازمة بين حكم العقل والشرع ، وقد حقّقنا في محلَّه أنّه لا أساس لهذه القاعدة ، وإن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة ، والحسن والقبح العقليّين غير ملازمين مع المصلحة والمفسدة . نعم ، لو أدرك العقل المصلحة الملزمة أو المفسدة كذلك وأحرز أنّه لا مزاحم لها ، فيترتّب عليه - لا محالة - حكم شرعيّ ، للعلم بوجود ملاكه على الفرض ، وأمّا نفس إدراك الحسن والقبح فلا يترتّب عليه شيء ، بل نقول : إنّ الخطاب الشرعي للمتجرّي ، المستتبع عن قبح المتجرّى به غير معقول ، فإنّه