وهكذا القول في الشريعة كلها ، ووطئ الفرج الحرام ، وأكل الحرام واستباحة
العرض الحرام والبشرة الحرام ونحو ذلك ، كل هذا من فعله مخطئا غير عالم أنه
خالف ما جاء من عند الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فلا يكفر ولا يفسق
ولا يعصي ، ومن فعله عامدا غير معتقد لإباحة ما حرم الله تعالى من ذلك فهو
فاسق ، ومن فعله عامدا مستحلا خلاف الله تعالى فهو كافر ، وقد نزه الله تعالى
كل صاحب وكل فاضل عن هاتين المنزلتين ، وأوقع فيهما كل فاسق متبع هواه
قاصد إلى نصر الباطل ، والثبات عليه وهو يدري أنه باطل ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : فإذا قد صح كل ما قلناه فلنبين بحول الله تعالى وقوته وجوه
الاجتهاد التي قدمنا ، وحكم من أخذ بوجه منها وفي أي خبر يقع عندنا من
القطع بصوابه أو القطع بخطئه ، أو التوقف في أمره ، وبالله تعالى نعتصم .
فأول ذلك من تعلق بآية منسوخة ، فهذا لا يخلو من أحد وجهين : إما أن
تكون تلك الآية قد جاء نص منقول نقل تواتر بأنها منسوخة ، أو قال دليل
متيقن النص أو الحال بأنها منسوخة ، فإن كان نسخها ثبت أحد هذه
الوجوه ، فحكمها الثبات على ما بلغه من المنسوخ عند الله عز وجل بلا شك ،
ما لم يثبت البرهان عنده بنسخها معذور مأجور مرتين .
فإذ قام عليه البرهان المذكور بأنها منسوخة فتمادى على ذلك - من الاخذ
بالمنسوخ معتقدا لصوابه في ذلك ، فهو كافر مشرك حلال الدم كمن تمادى
على القول بأن المتوفى عنها وصية إلى الحول ، أو على القول بالصلاة إلى بيت
المقدس ، وما أشبه ذلك .
وأما إن قام الدليل عنده على أنها منسوخة - من النص المتيقن كما ذكرنا - إلا
أنها مما اختلف الناس في نسخها ، فتمادى على القول بالمنسوخ ، وهو يعلم خلاف
الاحكام — صفحة 1162
مساهمون: ابن حزم
ص١١٦٢