فصل من هذا الباب
قال أبو محمد : كل لفظ ورد بنفي ثم استثني منه بلفظة إلا أو لفظة حتى
فهو غير جار إلا بما علق به ، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقبل صلاة من
أحدث حتى يتوضأ . ومثل : لا صلاة إلا بأم القرآن ولا قطع إلا في ربع
دينار فصاعدا وهذا هو المفهوم من الخطاب بالضرورة ، لأنه نفى قبول
الصلاة إلى أن يتوضأ ، ووجب قبولها بعد الوضوء بالآية التي فيها : * ( إذا قمتم
إلى الصلاة ) * وبالحديث : من توضأ كما أمر ونفى الصلاة إلا بأم القرآن وأثبتها
بأم القرآن ، لأنه لا بد لكل مصل من أن يقرأ أم القرآن أو لا يقرؤها . ولا سبيل
إلى وجه ثالث أصلا بوجه من الوجوه ، والصلاة فرض ، فلما لم يكن بد من
الصلاة ولم يكن فيها بد من قراءة أم القرآن أو ترك قراءتها ، وكان من لم يقرأها
ليس مصليا ، فمن قرأها فيها فهو مصل بلا شك ، وفرض على كل مسلم بالغ أن
يصلي كما أمر ، ففرض عليه أن يقرأ أم القرآن وهذا برهان ضروري قاطع .
وكذلك نفيه صلى الله عليه وسلم القطع جملة ، ثم أوجبه مستثنى في ربع دينار فصاعدا
إلا أن هذا لو لم يتقدم فيه نص أو إجماع لم قطعنا إلا في الذهب فقط . ولكن لما
قال تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن
الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده وأجمعت
الأمة على أن حديث ربع دينار لم يقصد به صلى الله عليه وسلم إبطال القطع في غير
الذهب وجب علينا أن نستعمل الآية على عمومها ، فلا يخرج منها إلا سارق
أقل من ربع دينار ذهب فقط . فمن سرق أقل من ربع دينار ذهب فلا قطع
عليه ، ومن سرق من غير الذهب شيئا ، قل أو كثر ، أي شئ كان له قيمة
وإن قلت ، فعليه القطع بالآية والحديث الذي فيه : لعن الله السارق .
قال أبو محمد : ومن أبى هذا فإنما يلجأ أن يقول : المراد بقوله صلى الله عليه وسلم
في ذكره ربع الدينار إنما عنى القيمة .
قال أبو محمد : وهذه دعوى لا دليل عليها ، وأن من ظن النبي صلى الله عليه
الاحكام — صفحة 913
مساهمون: ابن حزم
ص٩١٣