قال أبو محمد : فمما ذكرنا قوله تعالى : * ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) * الجملة المتقدمة
لهذا الشرط هي أمره تعالى باستعمال الماء فرضا على كل حال لمن أراد الصلاة
الواجبة أو التطوع ، فإن تيمم مع وجود الماء والصحة ولم يستعمل الماء كان
عاصيا ، لأنه لم يأت بما أمر به ، ولأنه لم يستعمل ما أمر باستعماله في غسل
أعضائه المذكورة في آية الوضوء والغسل ، فإن تيمم مع وجود الماء والصحة
واستعمل الماء أيضا ، كان متكلفا لم يؤمر به ، والمتكلف لذلك إن سلم من سلم من الاسم
لم يسلم من الفضول وسوء الاختيار ، وقد أمر الله تعالى فيه صلى الله عليه وسلم أن يقول
* ( وما أنا من المتكلفين ) * فإن اعتقد وجوب التيمم مع استعمال الماء في حال
الصحة ووجود الماء كان عاصيا كافرا ، لاعتقاده ما لا خلاف أنه لم يؤمر به
وزيادته في الدين وتعديه حدود الله تعالى ، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق
إلا استعمال التيمم عند عدم الماء المقدور عليه في السفر وعند المرض .
وهكذا القول في قوله تعالى : * ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات
المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) * إلى منتهى قوله ( لمن خشي
العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ) *
قال أبو محمد : فنظرنا هل نجد جملة متقدمة لإباحة نكاح الفتيات المؤمنات
بالزواج ، فوجدنا قبلها متصلا بها ذكر ما حرم الله تعالى من النساء من قوله تعالى :
* ( حرمت عليكم أمهاتكم ) * إلى منتهى قوله : * ( والمحصنات من النساء ) * فحرم الله تعالى بهذا
النص كل محصنة ، والاحصان يقع على معان ، منها العفة ، ومنها الزوجية ، ومنها
الحرية ، فلم يجز لنا إيقاع لفظة * ( ة على بعض ما يقع تحتها دون بعض ،
بالبراهين التي ذكرنا في باب العموم ، فحرم بقوله تعالى :
كل عفيفة من أمة أو حرة ، وكل حرة ، وكل ذات زوج ، وقد حرم الزواني من
الإماء والحرائر بقوله تعالى : * ( والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك
على المؤمنين ) * فحرمت كل امرأة في الأرض بهذين النصين إلا ما استثنى من
ذلك بنص أو إجماع .
ثم قال تعالى متصلا بالتحريم المذكور غير مؤخر لبيان مراده تعالى : * ( الا ملكت
الاحكام — صفحة 907
مساهمون: ابن حزم
ص٩٠٧