الذي قدمنا آنفا ، قيل له : وقد ذكر العشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر
آنفا . فإن قال قائل : ما تقولون فخطاب ورد من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم
معلقا بشرط ؟ قيل له : ينظر ، أتقدمت ذلك الخطاب جملة حاظرة لما أباح ذلك
الخطاب ، أو مبيحة لما حظر ، أم لم يتقدمه جملة بشئ من ذلك ، لكن تقدمت
جملة تعمه وتعم معه غيره موافقة لما في ذلك النص . ولا بد من أحد هذه الوجوه ،
لان الجملة التي نص عليها بقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * مبيحة
عامة لا يشذ عنها إلا ما نص عليه ، وفصل بالتحريم ، فلا سبيل إلى خروج شئ
من النصوص عن هذه الجملة . ولا بد لكل نص ورد من أن يكون مذكورا فيه
بعض ما فيها بموافقة أو يكون مستثنى منها بتحريم ، فإن وجدنا النص الوارد ،
وقد تقدمته جملة مخالفة له ، استثنيناه منها ، وتركنا سائر تلك الجملة على
حالها ، ولم نحظر إلا ما حظر ذلك النص فقط . ولم نبح إلا ما أباح فقط ،
ولم نتعده ، وإن وجدناه موافقا لجملة تقدمته ، أبحنا ما أباح ذلك الخطاب ، وأبحنا
أيضا ما أباحته الجملة الشاملة له ولغيره معه ، أو حظرنا ما حظره لك الخطاب ،
وحظرنا أيضا ما حظرته الجملة الشاملة له ولغيره معه ، ولم نسقط من أجل ذلك
الشرط شيئا مما هو مذكور في الجملة الشاملة له ولغيره ، وهذا هو مفهوم الكلام في
الطبائع في كل لغة من لغات بني آدم - عربهم وعجمهم - ولا يجوز غير ذلك .
وقد ذكرنا في باب الاخبار من كتابنا هذا بيان هذا العمل ، ونظرناه بمسائل
جمة ، ولكن لا بد لنا أيضا ههنا من تشخيص شئ من ذلك ليتم البيان
بحول الله وقوته ، فليس كل أحد يسهل عليه تمثيل مسائل تقضيها الجملة التي
ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق .
وليس قولنا آنفا : تقدمته جملة بمعنى تقدم وقت النزول ، فليس لذلك
عندنا معنى إلا في النسخ وحده ، وإلا فالقرآن والحديث كله عندنا ككلمة واحدة ،
وكأن نزل معا ، لوجوب طاعة جميع ذلك علينا ، وإنما نعني بقولنا : تقدمته أي
عمت ذلك الخطاب وغيره معه ، ولكن لما كنا نجعل تلك الجملة مقدمة يستثنى
منها ذلك النص أو نضيفه إليها على معنى البيان لها : سمينا ورودها من
أجل ما ذكرنا تقدما .
الاحكام — صفحة 906
مساهمون: ابن حزم
ص٩٠٦