ذلك فصلوا كذلك بلا شك ، ثم حولت القبلة إلى الكعبة بالمدينة بعد ستة عشر
شهرا من الهجرة ، ولا خلاف بين أحد أنهم لم يلزمهم التحول إلى الكعبة ولا
سقط عنهم فرض الصلاة ، ولا كان لهم أن يصلوا إلى غير القبلة التي صح عندهم
الامر بها ، ما لم يبلغهم النسخ ، وقد سمى الله تعالى صلاة من مات قبل أن يبلغهم
بالنسخ إيمانا ، فقال تعالى : * ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) * وهكذا فعل أهل قباء
صلوا نصف صلاتهم إلى بيت المقدس ، ولا شك أنهم لم يبتدئوها إلى بيت المقدس
إلا والقبلة قد نسخت ، لكن لما لم يعلموا ذلك ، لم يلزمهم ما لم يعلموا ، ولا سقط
عنهم ما كان لزمهم إلا بعد بلوغ النسخ إليهم . وهكذا القول في كل ما صح نسخه ،
ولم يصح عند بعض الناس .
وأما إن قامت عليه الحجة فعاند تقليدا ففاسق ، وهذا في غاية البيان فيما قلنا
والحمد لله رب العالمين .
وأما من بلغه الخبر المنسوخ أو الآية المنسوخة ولم يعرف أنهما منسوخان
فأقدم على تركهما بغير علم الناسخ ، فهو عاص لله تعالى ، لأنه ترك الفرض
الواجب عليه لما ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق .
فهذا وجهان في النص المنسوخ الذي لم يبلغ المرء نسخه .
ثم وجهان آخران في عكس هذه المسألة : وهما نص غير منسوخ من آية أو
كلام النبي صلى الله عليه وسلم ظنه عالم من العلماء منسوخا ، فترك العمل به ، وأفتى بذلك
عاميا ، وأخبره أن الحديث أو الآية منسوخان ، فتركه العامي أو عملا به وهما
يظنان ويقدران أنه منسوخ ، وهذا خلاف ما تقدم ، لأنهما ههنا تركا العمل
بما أوجبه الله تعالى عليهما ، إلا أن من ترك ذلك مجتهدا - يرى أن الذي
فعل هو الحق ، ولم يتبين له غيره بعد - فهو مخطئ له أجر واحد ومن ترك
ذلك مقلدا فهو عاص لله عز وجل آثم ، لاحظ له في الآخرة أصلا لأنه ترك
الحق للباطل دون اجتهاد .
فهذه أربعة أوجه :
ثم وجهان آخران ، وهما : من بلغه حديث صحيح فلم يصح عنده فعمل به
الاحكام — صفحة 864
مساهمون: ابن حزم
ص٨٦٤