دين الاسلام في تلك المسألة ، ولو علم أنه يفتيه بغير ذلك لتبرأ منه وهرب عنه .
وفرض على الفقيه إذا علم أن الذي أفتاه به هو في نص القرآن والسنة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الاجماع أن يقول له : نعم ، هكذا أمر الله تعالى رسوله
صلى الله عليه وسلم ، وحرام عليه أن ينسب إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا ،
قاله بقياس أو استحسان أو تقليد لاحد دون النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه إن فعل ذلك كان
بذلك كاذبا على رسوله عليه السلام ، ومقولا له ما لم يقل ، وقد وجبت له النار
يقينا ، بنص قوله صلى الله عليه وسلم : من كذب علي فليلج النار وهذا الذي قلنا
لا يعجز عنه واحد وإن بلغ الغاية في جهله ، لأنه لا يكون أحد من الناس مسلما
حتى يعلم أن الله تعالى ربه ، وأن النبي عليه السلام ، وهو محمد بن عبد الله ،
رسول الله بالدين القيم .
فإن قال قائل : فإن أفتاه الفقيه بفتيا منسوخة أو مخصوصة ، أو أخطأ فيها
فنسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليست من قوله ، سهوا أو تعمد ذلك ، فما الذي يلزم
العامي من ذلك ؟ وقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي
رحمه الله الرجل تنزل به النازلة وليس يجد إلا قوما من أصحاب الحديث والرواية
لا علم لهم بالفقه ، وقوما من أصحاب الرأي من يسأل ؟ فقال يسأل أصحاب الحديث ،
ولا يسأل أصحاب الرأي ، ضعيف الحديث خير من الرأي .
قال أبو محمد : فالجواب وبالله تعالى التوفيق : إن هذا ينقسم ستة عشر
قسما ، وهي :
من بلغه خبر منسوخ ، أو آية منسوخة ، ولم يعلم بنسخ ذلك ، فالعامي والعالم في
ذلك سواء ، والواجب عليهما بلا شك العمل بذلك المنسوخ ، ولم يؤمرا قط بتركه
إلا إذا بلغهما النسخ ، قال تعالى : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * ، فأخبر تعالى أنه لا تلزم
النذارة إلا من بلغه الامر ، فما دام النسخ لم يبلغه فلم يلزمه . وإذا لم يلزمه فلم
يؤمر به : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * ، وليس في وسع أحد أن يعلم ما لم
يعلم في حين جهله به ، ولا أن يعرف الشريعة قبل أن تبلغه ، وقد لزمه الأمر الأول
بيقين ، فلا يسقط عنه إلا ببلوغ الناسخ إليه بنص القرآن . وهكذا كان
الصحابة الذين بأرض الحبشة ، والصلاة قد فرضت بمكة إلى بيت المقدس وعرفوا
الاحكام — صفحة 863
مساهمون: ابن حزم
ص٨٦٣