فصل في نسخ الشئ قبل أن يعمل به
قال أبو محمد : أكثر المتقدمون في هذا الفصل وما ندري أن لطالب الفقه
إليه حاجة ولكن ما تكلموا ألزمنا بيان الحق في ذلك بحول الله وقوته ، والصحيح
من ذلك : أن النسخ بعد العمل به وقبل العمل به ، جائز كل ذلك ، وقد نسخ تعالى
عنا إيجابه خمسة وأربعين صلاة في كل يوم وليلة ، قبل أن يعمل بها أحد .
قال أبو محمد : ومن جعل هذا بداء فقد جعل النسخ بداء ولا فرق ، وكل
ما دخلوه في نسخ الشئ قبل أن يعمل به راجع عليهم في نسخه بعد أن يعمل به
ولا فرق ، والله تعالى يفعل ما يشاء ، والذي نقدر أن الذي حداهم إلى الكلام
في هذه المسألة مذهبهم الفاسد في المصالح ، ونحن لا نقول بها ، بل نفوض الامر
إلى الله عز وجل يفعل ما يشاء ، ليس عليه زمام ، ولا له متعقب ، وسنبين ذلك
في باب العلل من هذا الديوان إن شاء الله تعالى .
فإن قال قائل : فماذا أراد الله عز وجل منا إذ قال : خمسين صلاة في كل
يوم وليلة ، ثم نسخها وردها إلى خمس قبل أن نصلي الخمسين ؟ قيل له ، وبالله تعالى
التوفيق : إنه أراد منا الطاعة والانقياد والعزيمة على صلاتها ، والاعتقاد لوجوبها
علينا فقط ، ولم يرد تعالى قط منا كون تلك الصلوات ، ولا أن نعملها ، ونحن
لا ننكر أن يأمر تعالى بما لم يرد قط منا كونه ، بل يوجب ذلك ، ونقول : إنه
تعالى أمر أبا طالب بالايمان ، ولم يرد قط تعالى كون إيمانه موجودا . وقد نص
تعالى على ذلك بقوله : * ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) * وقوله تعالى :
* ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) * .
فأخبر تعالى أنه لم يجب هداية أبي طالب ، وأنه أراد ألا يهدي قوما ، وكلهم
مأمور بالاهتداء ، وقد بينا هذا في كتاب الفصل ، ولو أنه تعالى لم ينسخها حتى
نصليها لعلمنا حينئذ أنه تعالى أراد كونها منا ، كما علمنا أنه تعالى أراد إسلام أبي بكر
وعمر وسائر من أسلم ، وإنما نعلم ما أراد تعالى كونه بعد ظهوره ، أو أخبرنا الله
تعالى بأنه سيكون والله أعلم ، وهو الذي أطلعنا عليه من غيبه ، ونحن كنا مأمورون
بالصلاة . وقد يموت كثير من الناس قبل أن يتأتى عليه وقت صلاة بعد بلوغه ،