من قبله تعالى ، بإيجاب ما أوجب أو تحريم ما حرم . وأما المأمور به فهي حركاتنا
وأعمالنا من صلاة وصيام وإقامة حد وغير ذلك ، فصح ما ذكرنا نصا ،
وبالله تعالى التوفيق .
فصل
وقد تشكك قوم في معاني النسخ والتخصيص والاستثناء ، فقوم جعلوها
كلها نوعا واحدا .
قال أبو محمد : وهذا خطأ لان النسخ هو رفع حكم قد كان حقا ، وسواء عرفنا
أنه سيرفع عنها أو لم نعرف بذلك وقد أعلم الله تعالى موسى وعيسى عليهما
السلام أنه سيبعث نبيا يسمى محمدا بشرائع مخالفة لشرائعهما ، فهذا نسخ قد علمنا به ،
وأما التخصيص : فهو أن يخص شخص أو أشخاص من سائر النوع ، كما
خص عليه السلام بفرض التهجد ، وإباحة تسع نسوة وكما خص أبو هاشم وبنو المطلب
بتحريم الصدقة ، وأبو بردة تجزئ عنه الجزعة في الأضحية .
وأما الاستثناء : فهو ما جاء بلفظ عام ، ثم استثني منه بعض ما يقع عليه ذلك
اللفظ . كقوله تعالى : * ( إلا على أزواجهم ) * وما أشبه ذلك . إلا أن التخصيص إذا
حقق فيه النظر فهو استثناء صحيح ، والفرق بين النسخ والاستثناء هو أن الجملة
المستثنى منها بعضها ، ولم يرد قط تعالى إلزامنا إياها بعمومها ، ولا أراد إلا ما بقي
منها بعد الاستثناء .
وأما النسخ : فالذي نهينا عنه اليوم قد كان مراد منا بالأمس بخلاف
الاستثناء . وبالله تعالى التوفيق .
فإن قال قائل : إن النسخ استثناء الزمان الثاني من إطلاق الفعل على التأييد ،
قيل له وبالله تعالى التوفيق : ليس هذا مما نجعله مع الاستثناء المطلق نوعا واحدا
لما ذكرنا من أن المستثنى لم يرد قط منا بوجه من الوجوه ، وأن المنسوخ قد
كلفناه ، هذا فرق ظاهر بين ، فإن كان هذا المخالف يريد أن يقول : إن النسخ
نوع من أنواع الاستثناء ، لان استثناء زمان تخصيصه بالعمل سائر الأزمان
لم نأب عليه ذلك ، ويكون حينئذ صواب القول : إن كل نسخ استثناء وليس
كل استثناء نسخا . وهذا صحيح .
الاحكام — صفحة 444
مساهمون: ابن حزم
ص٤٤٤