وهكذا كل مسلم ممن أسلم ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم من جميع جزيرة العرب ،
كبلاد اليمن ، والبحرين ، وعمان والطائف ، وبلاد مصر وقضاعة ، وسائر ربيعة وجبلي
طيئ والنجاشي . فكل من لم يلق منهم النبي صلى الله عليه وسلم فهو من التابعين ،
فلم يزل التابعون يموت منهم الواحد والاثنان والعشرات والمئون والآلاف من
قبل الهجرة بسنة وشهرين إلى أن مات آخرهم في حدود ثمانين ومائة من الهجرة ،
كخلف بن خليفة الذي رأى عمرو بن حريث ، وكمن ذكر عنه أنه رأى أنس بن
مالك رضي الله عنه ، فمن هذا الواهي دماغه الذي يتعاطى مراعاة انقراض أهل
عصر ، مقدار مائة عام وثلاثة أعوام ، ثم عصر آخر مقدار مائة سنة وثمانين
سنة ، ويضبط أنفاسهم وإجماعهم ، هل اختلفوا بعد ذلك أم لا ؟ فكيف أن
يوجب ذلك على الناس لا سيما وأهل ذينك العصرين متداخلان مضى كثير من
أهل العصر الثاني ، قبل انقراض العصر الأول بدهر طويل أكثر من مائة عام ،
وقد أفتى جمهورهم من الصحابة كعلقمة ومسروق وشريح وسليمان وربيعة وغيرهم
ماتوا في عصر الصحابة . وهكذا تتداخل الاعصار إلى يوم القيامة .
وقد اعترض بعضهم في هذا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم القرن
الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فقلت : بين الامرين فرق كما
بين النور والظلمة لان الذي تباينت به الاعصار المذكورة ، هو شفوف في
الفضل لا يلحقه الآخرون ، معروف لمن تأخر من قرن الصحابة على من تقدم
من قرن التابعين . وليس كذلك جواز الفتيا ، لأنه إن لم تجز الفتيا لتابع حتى
ينقرض عصر الصحابة ، لم تجز فتيا من ذكرنا ممن مات من التابعين في عصر
الصحابة ، وهذا باطل ، أو يقولون إنه يراعي انقراض عصر التابعين مع عصر
الصحابة معا ، ففي هذا مراعاة كل عصر إلى يوم القيامة مع عصر الصحابة لتداخل
الاعصار ، وهذا محال والذي يدخل هذا القول من الجنون أكثر من هذا ، لأنه
يجب على قولهم أنه إذا لم يبق من الصحابة إلا أنس وحده ، فإنه كان له ولغيره من
الاحكام — صفحة 514
مساهمون: ابن حزم
ص٥١٤