وهذا أمر معلوم لا ينكره ذو عقل ، وقد يحسن ذلك الشريعة أيضا من
طالب راحة أو تخفيف ، كما سأل ابن أم مكتوم إذ نزلت آية المجاهدين ، فطلب أن يخرج
له عذر من عموم اللفظ الوارد ، وقد كان له كفاية في غير هذه الآية في قوله تعالى
: * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) * وما أشبه ذلك ، وكسؤال العباس في الإذخر
فاستثنى من العموم في النهي عن أن يختلى خلا الحرم بمكة ، وقد يحسن أيضا
الاستفهام في العدد ، كقول القائل : أتاني عشرة من الناس في أمر كذا فيقول له
السامع : أعشرة ؟ فيقول : نعم وذلك نحو قول الله عز وجل : * ( ثلاثة أيام في
الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) * فقد كنا نعلم لو لم يذكر تعالى العشرة ،
إن ثلاثة وسبعة عشرة ، وقد كنا نعلم بقوله تعالى : * ( تلك عشرة ) * إنها عشرة ،
ولكنه تعالى ذكر * ( كاملة ) * كما شاء ، فلما صح كل ما ذكرناه وحسن الاستفهام عن
اسم واحد ، وعن العدد وهو لا يحتمل صرفا عن وجهه أصلا ، ولم يكن ذلك
مجيزا لوقوع اسم الواحد على أكثر من واحد ، وكذلك في العدد - لم يكن أيضا
وقوع الاستفهام في العموم ، موجبا لاسقاط حمله على العموم ، وبالله تعالى التوفيق .
وقالوا أيضا : أرأيتم قولكم بالعموم ؟ أبعموم قلتموه وعلمتم صحته ، أم بغير عموم ؟
قال علي : وهذا من الهذيان الذي قد تقدم إبطالنا إياه في كلامنا في حجة
العقل ، وهو سخف أتى به بعض السوفسطائيين القاصدين إبطال الحقائق ، وهو
ينعكس عليهم في قولهم بالخصوص وفي قولهم بالوقف ، فيقال لهم : أرأيتم
قولكم بالوقف ، أبو قف قلتموه وعلمتموه أم بغير وقف ؟ وأرأيتم قولكم
بالخصوص ، أبخصوص قلتموه وعلمتموه أم بغير خصوص ؟ والجواب الصحيح
المبين لجهلهم : هو أننا نقول ، وبالله تعالى التوفيق : إنما قلنا بالعموم استدلالا
بضرورة العقل الحاكم بأن اللغة إنما هي رتبت لكل معنى في العالم ، عبارة
مبينة عنه موجبة للتفاهم بين المخاطب والمخاطب ، ولأننا وجدنا الأجناس العامة
للأنواع الكثيرة ، ووجدنا الأنواع العامة للأشخاص الكثيرة - يخبر عنها
بأخبار ، وترد فيها شرائع لوازم ، فلا بد ضرورة من لفظ يخبر به عن الجنس كله ،
وهذا لا بد منه ، وإلا بطل الخبر عن الأجناس ، وهذا ما لا سبيل إليه أصلا ،
الاحكام — صفحة 347
مساهمون: ابن حزم
ص٣٤٧