عين وعرض يخلقهما تعالى إلى يوم القيامة ، فلما صح ذلك بإجماع الأمة - المتيقن
المقطوع به المبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وبالنصوص الثابتة بما ذكرنا من
بقاء الدين إلى يوم القيامة . ولزومه الإنس والجن ، وعلمنا بضرورة الحس
أنه لا سبيل إلى مشاهدته عليه السلام من يأتي بعده ، كان أمره صلى الله عليه وسلم
لواحد من النوع ، وفي واحد من النوع - أمرا في النوع كله ، وللنوع كله ، وبين
هذا أن ما كان من الشريعة خاصا لواحد ، أو لقوم فقد بينه عليه السلام نصا ،
وأعلم أنه خصوص ، كفعله في الجذعة بأبي بردة بن نيار ، وأخبره عليه السلام
أنها لا تجزي عن أحد بعده ، وكان أمره عليه السلام للمستحاضة أمرا لكل
مستحاضة ، وإقامته ابن عباس وجابرا عن يمينه في الصلاة ، حكما على كل مصل
وحده مع إمام ، ولا خلاف بين أحد في أن أمره لأصحابه رضي الله عنهم وهم
حاضرون ، أمر لكل من يأتي إلى يوم القيامة .
وأما إخواننا : فاضطربوا في هذا اضطرابا شديدا ، فقالوا في فتياه عليه السلام
للواطئ في رمضان : إن ذلك الحكم جار على كل واطئ ، وأصابوا في ذلك ، ثم
لم يقنعوا بالصواب حتى تعدوه إلى الخطأ فقالوا : وذلك الحكم أيضا جار على كل
مفطر بغير الوطئ ثم لم يقنعوا بذلك حتى قالوا : هو على النساء كما هو على الرجال ،
ثم أتوا إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم في محرم مات ، فأمر عليه السلام
ألا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه ، وأن يكفن في ثوبه فقالوا هو خصوص
لذلك الواحد ، وليس هذا حكم من مات وهو محرم ، أفسمع السامعون بأعجب
من هذا التحكم ؟ واحتجوا في ذلك بابن عمر وقد تركوا ابن عمر في أزيد من مائة
قضية ، وتركوا في ذلك قول من خالف ابن عمر في ذلك من أصحابه ، واحتجوا
بانقطاع عمل الميت تمويها وشغبا ، وليس هذا للميت ولكنه عمل الاحياء
المأمورين بذلك كما أمروا بغسله ومواراته ولا عمل للميت في ذلك ولا فرق .
فإن احتجوا في ذلك بقول علي رضي الله عنه : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا أقول نهاكم ، فقد قال كعب بن عجرة في أمر فدية حلق الرأس نزلت
في خاصة وهي لكم عامة .
الاحكام — صفحة 331
مساهمون: ابن حزم
ص٣٣١