فعله ، وغير الواجب هو ما إن شاء فعله المرء وإن شاء تركه ، ولا يعرف ههنا شئ
يتوسط هذين الطرفين ، فإن راعوا ما ورد به لفظ الفرض في الشريعة فهم أول عاص
لما ورد فيها ، لان الله عز وجل يقول : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) * الآية
إلى قوله تعالى فرضية من الله ، فقالوا هم : هذه القسمة ليست فريضة ، بل جائز
أن يعطى من الصدقات غير هؤلاء ، وجائز أن توضع في بعض هذه الأصناف دون
بعض ، وقال ابن عمر : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على كل
صغير أو كبير ذكرا أو أنثى ، حرا أو عبدا ، من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من
شعير فقالوا : ليس هذا فرضا ، ولا الشعير أيضا ، ولا التمر فيها فرضا فما نعلم أحدا
ترك لفظ الفرض الوارد في الشريعة منهم ، ثم احتجوا في البرسام الذي ادعوه
من وجوه أنه شئ واجب ليس فرضا ولا تطوعا ، فقالوا : ذلك مثل الاذان والوتر
وركعتي الفجر وصلاة العيدين والصلاة في جماعة ورمي الجمار للمبيت ليالي منى بمنى .
قال علي : وكل هذا فدعوى فاسدة ، أما الصلاة في جماعة والاذان ورمي
الجمار ففرائض واجبة يعصي من تركها ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها ، وأما
صلاة العيدين والوتر وركعتا الفجر والمبيت ليالي منى بمنى ، فليست فرائض ،
ولكنها تطوع يكره تركها ، فلو تركها ، تارك دهره كله متعمدا ما أثم ولا عصى الله
عز وجل ، ولا قدح ذلك في عدالته ، وقد قال عليه السلام في الذي حلف أن
لا يزيد على الصلوات الخمس الفرائض : أفلح والله إن صدق ، دخل الجنة إن
صدق وقد سأل هذا القائل النبي صلى الله عليه وسلم إذ وصف له الصلوات الخمس
فقال : يا رسول الله هل علي غيرها ؟ فقال : لا ، إلا أن تطوع فسمى النبي صلى الله عليه وسلم
تارك كل صلاة ما عدا الخمس مفلحا ولم يعنفه ، وأخبر عليه السلام أن كل صلاة
ما عدا الخمس فهي تطوع فحرام على كل أحد خلاف النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولولا أن الامر ورد بصلاة الجنائز فصارت فرضا لا بد منه ، لكانت تطوعا ،
ولكن من هذه الخلال أشياء يكره تركها ، فمن تركها لم يأثم ولم يؤجر ، ومن
فعلها أجر ، فبطلت بما ذكرنا قسمتهم الفاسدة ، والحمد لله رب العالمين .
الاحكام — صفحة 323
مساهمون: ابن حزم
ص٣٢٣