دون تأخر ولا تردد ، وقد شغب بعض المخالفين فقال : ليس في قوله تعالى :
* ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم في أن الأوامر واجب البدار إليها ، لأنه
تعالى أمرنا بالمسارعة إلى المغفرة لا إلى الفعل .
قال علي : وهذا مما يسر فيه هؤلاء القوم لعكس الحقائق ، وقد أيقنا بقوله
تعالى : * ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) * أن أحدا لا يؤتى المغفرة إلا بعمل صالح
يقتضي له وعد الله تعالى بالرحمة والمغفرة ، وعلمنا ذلك يقينا أن مراد الله تعالى
بقوله : * ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) * إنما هو سارعوا إلى الأعمال الموجبة للمغفرة
من ربكم إذ لا سبيل إلى المسارعة إلى المغفرة إلا بذلك ، وهذا من الحذف الذي
دلت عليه الحال ، وإنما قلنا هذا لوجهين : أحدهما : النص الجلي الوارد في أنه
لا يجزي أحد بمغفرة ولا غيرها إلا بحسب عمله . والثاني : النص الوارد بأن الله
لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وليس في وسع أحد المسارعة إلى المغفرة المجردة دون
توسط عمل صالح ، فهذان الظاهران نصا أن في تلك الآية حذفا دلت عليه الحال ،
فما كان مرتبطا بوقت واحد كصيام رمضان فقد جاء النص بإيجاب تأخيره إلى
وقته ، فإذا خرج الوقت فقد ثبت العجز عن تأديته كما أمرنا إلا بأن يأتي في شئ
من ذلك نص آخر فيوقف عنده ، وما كان مرتبطا بوقت فيه مهلة فقد جاء النص
بإباحة تأخيره إلى آخر وقته ، وإيجاب تأخيره إلى أول وقته ، فإذا خرج الوقت
فكل ما قلنا في الذي قبله ولا فرق ، وذلك كأوقات الصلاة . وما لم يأت مرتبطا
بوقت ، ففرضه البدار في أول أوقات الامكان ، إلا أن الامر به لا يسقط عن
المأمور به لعصيانه في تأخيره ، وكذلك ما كان مرتبطا بوقت له أول محدود لم
يحد آخره ، أو ما كان مرتبطا بوقت محدود متكرر .
فالنوع الأول : كقضاء صيام المريض والمسافر لأيام رمضان ، فذلك لازم
في أول أوقات القدرة عليه ، فإن بادر إليه فقد أدى ما عليه وإن أخره لغير
عذر كان عاصيا بالتأخير وكان الامر عليه ثابتا أبدا .
والنوع الثاني : كوجوب الزكاة ، فإن لوقتها أولا وهو انقضاء الحول ، وليس
قبل ذلك أصلا ، وليس لآخر وقتها آخر محدود ، بل هو باق أبدا إلى وقت العرض
الاحكام — صفحة 295
مساهمون: ابن حزم
ص٢٩٥