: * ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ئ من
أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ) * فصح أن الوحي كله من يترك ظاهره
فقد أعرض عنه ، وأقبل على تأويل ليس عليه دليل . وقال تعالى : وقد كان
فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وكل من
صرف لفظا عن مفهومه في اللغة فقد حرفه .
وقد أنكر الله تعالى ذلك في كلام الناس بينهم فقال تعالى : * ( فمن بدله بعد
ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) * وليس التبديل شيئا غير صرف الكلام عن
موضعه ورتبته ، إلى غيرها ، بلا دليل من نصر أو إجماع متيقن عنه صلى الله عليه وسلم . وقال تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) * فصح أن اتباع الظاهر
فرض ، وأنه لا يحل تعديه أصلا . وقال تعالى : * ( يا أيها الذين يحب المعتدين ) * .
والاعتداء هو تجاوز الواجب ، ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي
بها خوطبنا بغير أمر من الله تعالى ، أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، فعداه إلى معنى
آخر ، فقد اعتدى فليعلم أن الله لا يحبه ، وإذا لم يحبه فقد أبغضه ، نعوذ بالله من
ذلك . وقال تعالى : * ( يتعد حدود الله فأولئك
هم الظالمون ) * وقال تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا
خالدا فيها وله عذاب مهين ) * .
وقد أخبر تعالى أنه : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال
أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) * فنص نصا جليا لا يحتمل تأويلا ، على
أنه علق كل مسمى اسما مخصوصا به ، وكذلك من حدود الله تعالى التي قد أخبر أنه
من تعداها فهو ظالم ، وأنه يدخله نارا - وأهل ذلك هم - لاقدامهم على الباطل
الذي لا يخفى على ذي لب ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ، ونسأله التوفيق ، فكل
شئ يبدله لا إله إلا هو ، فلا موفق إلا من هدى ، ولا ضال إلا من خذل . ولله
تعالى في كل ذلك الحجة البالغة علينا . ولا حجة لنا عليه . ولا يسأل عما يفعل
وهم يسألون . وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وقال تعالى : * ( اتبع ما أوحي إليك من ربك ) * فأمره باتباع الوحي النازل وهو
الاحكام — صفحة 292
مساهمون: ابن حزم
ص٢٩٢