لا يحل ، لأنه ليس أحد النصين أولى بالطاعة من الآخر ، وليس أحدهما نافيا
للآخر ولا مبطلا له .
ومن ذلك أيضا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل
خيبر على نصف ما يخرج منها ، فكان هذا عاما لكل ما يخرج منها زرعا أو خضرا
أو ثمارا ، وروى بعضهم هذا الحديث بعينه فقال : من ثمر النخل ، فمن أخذ
بالمساقاة في ثمر النخل خاصة وحظر ما سوى ذلك كان مخالفا لفعل رسول الله
صلى الله عليه وسلم المنقول في لفظ العموم ، وليس قول من قال في ثمر النخل بمبطل أن يكون
ساقاهم وعاملهم وزارعهم أيضا في غير ثمر النخل ، ولكن هذا الراوي ذكر بعض
ما عوملوا عليه وسكت عن بعض ، وعم غيره كل ما وقعت فيه المعاملة ، وكان
هذا الحديث ناسخا لحديث النهي عن المزارعة بيقين . لأنه آخر فعله عليه السلام
بلا شك الذي ثبت عليه إلى أن مات ، وحديث النهي عن المزارعة كان قبله
بلا شك ، فلذلك قطعنا أنه منسوخ ولولا هذا البيان ما استجزنا ذلك .
قال علي : ومن هذا الباب أن يشهد عدلان أن زيدا طلق امرأته ، وقال سائر
من حضر المجلس وهم عدول . لم يطلقها البتة ، فلا نعلم خلافا في وجوب الحكم
عليه بالطلاق . وإنفاذ شهادة من شهد به ، لان عندهما علما زائدا شهدا به لم يكن
عند سائر من حضر المجلس ، وهذا نفسه هو قبول زيادة العدل ولا فرق ، وإن
انفرد بها ، وإنها كسائر نقله ، وليس جهل من جهل حجة على علم من علم ،
ولا سكوت عدل مبطلا لكلام عدل آخر ، ولا فرق بين أن ينفرد بالحديث كله
وبين أن ينفرد بلفظة منه أو بحكم زائد فيه .
وقد وافقنا من يخاصم في هذا المعنى على قبول ما انفرد به العدل من الاخبار ،
وخالفونا في قبول الزيادة بلا دليل إلا التحكم بالدعوى فقط ، إلا أن بعضهم
رام أن يحتج فأضحك من نفسه ، وذلك أنه قال : قد وافقناكم على قبول الخبر إذا
سلم من الزيادة انفرد بها بعض الرواة ، ومن إرسال غير هذا الراوي له ، ومن
مخالفة من هو أعدل منه وأحفظ في لفظه ، وخالفناكم في قبوله إذا كان فيه شئ
من هذه المعاني .
الاحكام — صفحة 211
مساهمون: ابن حزم
ص٢١١