قال علي : فيقال له وبالله تعالى التوفيق : هذا يشبه تمويه اليهود ، إذ يقولون
قد وافقناكم على قبول نبوة موسى صلى الله عليه وسلم ، ووجوب شريعته ،
وترك العمل في السبت ، وأن ذلك كله قد أمر به الله تعالى ، وخالفناكم في قبول
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ووجوب شريعته .
قال علي : وهذا احتجاج من لا حجة له ، وتمويه ضعيف ، وذلك أننا لم نقبل
نبوة موسى صلى الله عليه وسلم لأجل موافقتهم لنا عليهم ، ولا نبالي وافقونا عليها أم خالفونا ،
كما لم نبال بتكذيب المجوس والمنانية والصابئين لنبوة موسى عليه السلام وإنما أخذنا
بقبول نبوته عليه السلام لقيام البراهين على صحتها ، وبمثل تلك البراهين نفسها
وجب قبول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا فرق ، والحق إذا ثبت برهانه فلا معنى لقبول
من قبله ، ولا يزيده ذلك صحة ، ولا معنى لمخالفة من خالفه ، ولا يضره ذلك شيئا
ونفسه ضر المخالف ولم يضر الحق . وكذلك الشئ إذا لم يقم على صحته برهان ،
فلا معنى لقبول من قبله ولا يصححه ذلك ، وكذلك قبول خبر الواحد لم نأخذ
به ، لان الحنفيين والمالكيين وافقونا على قبوله ، وما نبالي وافقونا أم خالفونا ،
كما لم نبال بخلافهم لنا في القياس والتقليد ، وكما لم نبال بخلاف من خالفنا - من
المعتزلة وغيرهم - في قبول خبر الواحد ، وإنما أخذنا بقبول خبر الواحد لقيام
البرهان على وجوب القول به .
وبتلك الدلائل والبراهين بأعيانها ، وجب اطراح العلل التي راموا بها إبطال
الاخذ بالزيادة ، وبما أرسله عدل وأسنده عدل ، وما خولف فيه راويه ، وبذلك
البرهان نفسه وجب قبول الزيادة - وإن انفرد بها العدل - وتصحيح ما أسنده
العدل - وإن أرسله غيره ، وسواء كان أعدل منه أو أحفظ أو مثله أو دونه ، وصح
أن ما خالف هذا الحكم هذيان لا معنى له ، وإنما يلزم الاحتجاج بما موهوا به
غير موضعه ، ففي حكم لم نراع فيه غير الاجماع المتيقن به إذا ثبت ، وفيما لولا
الاجماع المذكور لم نقل به ، مما قد أمرنا باتباع الاجماع المتيقن المقطوع به فيه مما لم يأت
فيه نص محفوظ اللفظ ، وإن كان أصل ذلك الاجماع لا يمكن البتة أن يكون إلا عن نص ،
وذلك مثل المسائل التي وجدنا فيها خلافا من واحد فما فوقه لم نقل بها ولا برهان
الاحكام — صفحة 212
مساهمون: ابن حزم
ص٢١٢