أذن له المسموع عنه في ذلك أو لم يأذن ، حجر عليه الحديث عنه أو أباحه إياه ،
كل ذلك لا معنى له ولا يحل لاحد أن يمنع من نقل حق فيه خير للناس قد
سمعه الناقل ، ولا يحل لاحد أن يبيح لغيره نقل ما لم يسمع ، ومن يتعد
حدود الله فقد ظلم نفسه ، وإنما هو حق أو كذب ، فالحق الذي ينتفع به مسلم
واحد فصاعدا واجب نقله ، والكذب حرام نقله .
وأما من كتب إلى آخر كتابا يوقن المكتوب إليه أنه من عنده ، فيقول له
في كتابه : ديوان كذا أخذته عن فلان كما وصفنا قبل ، فليقل المكتوب إليه أخبرني
فلان في كتابه إلي . ونحن نقول : أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبرنا الله تعالى ، وقال لنا الله تعالى ، وقال تعالى :
ومن أصدق من الله قيلا وقال تعالى : * ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني
وإنما ذلك لأنه تعالى خاطب بكتابه كل من يأتي من الإنس والجن إلى يوم القيامة ،
وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمخاطبة كل من يأتي إلى يوم القيامة من الإنس والجن
أيضا ، فليس منا أحد إلا وخطاب الله تعالى وخطاب رسوله
صلى الله عليه وسلم يتوجهان إليه يوم القيامة ، وليس ذلك لمن دونهما أصلا ، وإنما
يخاطب كل من دون الله تعالى ودون رسوله صلى الله عليه وسلم ، من شافه
أو من كتب إليه ، أو من سمع منه لفظه ، إذ لم يأمر الله تعالى أحدا من ولد
آدم عليه السلام دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ينذر جميع أهل الأرض ،
وإنما يصح من فعل كل واحد ما وافق ما أمره تعالى به ، لا ما خالف ما أمره
الله عز وجل ، ومن فعل ما لم يؤمر به ففعله باطل مردود .
قال علي : وأما الإجازة التي يستعملها الناس ، فباطل ، ولا يجوز لاحد أن
يجيز الكذب ، ومن قال لآخر : ارو عني جميع روايتي دون أن يخبره بها ديوانا
ديوانا ، وإسنادا إسنادا ، فقد أباح له الكذب ، لأنه إذا قال حدثني فلان أو عن
فلان فهو كاذب أو مدلس بلا شك ، لأنه لم يخبره بشئ فهذه أربعة أوجه جائزة
وهي : مخاطبة المحدث للآخذ عنه ، أو سماع المحدث من الآخذ عنه ، وقراره له
بصحته ، أو كتاب المحدث إلى الآخذ عنه ، أو مناولته إياه كتابا فيه علم .
الاحكام — صفحة 256
مساهمون: ابن حزم
ص٢٥٦