رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين ، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن
لا يذكروها لاحد ، فهذا خروج عن الاسلام ، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك ،
ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فما عمر إلا واحد
منهم ، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا ، ولئن كان حسبهم وغيرهم متهمين لقد ظلمهم ،
فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء ،
ولا بد له من أحدهما ، وإنما معنى نهي عمر رضي الله عنه من الحديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لو صح ، فهو بين في الحديث الذي أوردناه من طريق قرظة ، وإنما نهى عن الحديث بالاخبار عمن سلف من الأمم وعما أشبه .
وأما بالسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن النهي عن ذلك هو مجرد ، وهذا ما لا يحل
لمسلم أن يظنه ممن دون عمر من عامة المسلمين ، فكيف بعمر رضي الله عنه . ودليل
ما قلنا : أن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم . فإن كان
الحديث عنه عليه السلام مكروها ، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب ، ولا يحل
لمسلم أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه نهى عن شئ وفعله ، لأنه قد روي عنه رضوان الله
عليه خمسمائة حديث ونيف ، على قرب موته من موت النبي صلى الله عليه وسلم فصح أنه
كثير الرواية ، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وما في الصحابة أكثر رواية عن
النبي صلى الله عليه وسلم من عمر بن الخطاب ، إلا بضعة عشر منهم فقط . فصح أنه قد
أكثر الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فصح بذلك التأويل الذي ذكرنا لكلامه
رضي الله عنه ، وهكذا القول فيما روي من ذلك عن معاوية رضي الله عنه ، ولا فرق .
وقد جاء ما قلناه عن عمر رضي الله نصا دون تأويل ، كما أنبأ عبد الله بن ربيع ،
ثنا محمد بن معاوية القرشي ، ثنا ابن خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال : ثنا أبو الوليد
هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير
بن عبد الله بن الأشج أن عمر بن الخطاب قال : سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات
القرآن فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله عز وجل .
قال علي : وقد صح بهذا أن عمر أمر بتعليم السنن ، وأخبر أنها تبين القرآن
فصح ما قلناه يقينا بلا مرية ، وارتفع اللبس ، والحمد لله رب العالمين .
وأعجب من هذا كله : أن المالكيين المحتجين بأن عمر رضي الله عنه حبس
الاحكام — صفحة 250
مساهمون: ابن حزم
ص٢٥٠