الخبر لم يأت قط مسندا من طريق يصح ، فنقطع حينئذ على أنه باطل عند الله تعالى على
ما نبين بعد هذا في باب الكلام في الاخبار إن شاء الله تعالى . فإن لم يحتج في ذلك بشئ
من نص ، لكن بتقليد أو قياس ، فنحن قاطعون بأنه مخطئ عند الله تعالى ، وأننا
محقون عنده تعالى ، ولكل استدلال ما عدا ما ذكرناه من تقليد صاحب فمن دونه ،
أو قياس أو استحسان ، فهو باطل بيقين عند الله عز وجل وبالله تعالى التوفيق .
فصل : في هل على النافي دليل أو لا ؟ قال علي بن أحمد : اختلف الناس
في هذا على قسمين ، فطائفة قالت : الدليل على من أوجب شيئا ، أو ثبت حكما
أو قضية . وليس على النافي دليل . وقالت طائفة : الدليل يلزم إقامته النافي والموجب معا .
قال علي : والصحيح من ذلك أنا وجدنا الله تعالى أنكر على من حقق شيئا بغير علم
وأنكر على من كذب بغير علم ، فقال تعالى : * ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها
وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا
على الله ما لا تعلمون ) * فقد حرم الله تعالى بنص هذه الآية أن يقول أحد على الله عز وجل
شيئا لا يعلم صحته ، وعلم صحة كل شئ مما دون أوائل العقل وبداءة الحس لا يعلم إلا
بدليل . فلزم بهذه الآية من ادعى إثبات شئ أن يأتي عليه بدليل وإلا فقد أتى محرما
عليه . وقال تعالى : * ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) * فأنكر تعالى
تكذيب المرء ما لا يعلم أنه كذب ، وقال تعالى : * ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) *
فأوجب تعالى على كل مدع المصدق أن يأتي ببرهان ، وإلا فقوله ساقط ، ووجدنا
كل ناف مدعيا للصدق في نفيه ما نفى ، ووجدنا كل مثبت مدعيا للصدق في إثباته
ما أثبت ، فلزم كلتا الطائفتين أن تأتي بالبرهان على دعواها إن كانت صادقة .
قال علي : وأما من احتج من أصحابنا في إسقاط الدليل عن النافي بإيجاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، فإنما في الاحكام
فإنه لا خلاف بين أهل الملة في أنه لا يمين على من أنكر شيئا في المناظرة في غير الاحكام .
قال علي : فإذا اختلف المختلفان ، فأثبت أحدهما شيئا ونفاه الآخر ، فعلى كل واحد
منهما أن يأتي بالدليل على صحة دعواه كما بيناه آنفا بحكم كلام الله عز وجل ، فأيهما أقام
البرهان صح قوله ، ولا يجوز أن يقيماه معا لان الحق لا يكون في ضدين ، ومن الممتنع
أن يكون الشئ باطلا صحيحا في حال واحدة من وجه واحد ، فإن عجز كلاهما عن إقامة
الدليل ، وهذا ممكن ، فحكم ذلك الشئ أن يتوقف فيه فلا يوجب ولا ينفي ، لكن يترك
الاحكام — صفحة 68
مساهمون: ابن حزم
ص٦٨