التوحيد والنبوة ، ودينك الذي أنت عليه ، أبعقل ذلك على صحة كل ذلك أم بغير
عقل ؟ وبأي شئ عرفت فضل من قلدت ، أو صحة ما ادعيت أنك ألهمته بعد أن
لم تكن ملهما إليه ولا مقلدا له برهة من دهرك ؟ وبأي شئ عرفت صحة ما بلغك
من الاخبار بعد أن لم تكن بلغتك ؟ وهل لك من عقل أم لا عقل لك ؟ فإن قال :
عرفت كل ذلك بلا عقل ولا عقل لي فقد كفينا مؤنته ، وبلغنا في نفسه أكثر
مما رغبنا منه ، فإننا إنما رغبنا منه الاعتراف بالخطأ ، فقد زادنا في نفسه منزلة
لم ترغبها منه ، وسقط الكلام معه ولزمنا السكوت عنه ، وإلا كنا في نصاب
من يكلم السكارى الطافحين والمجانين المتعرين على الطرق .
فإن قال : لي عقل وبعقلي عرفت ما عرفت فقد أثبت العقل وترك مذهبه
الفاسد ضرورة .
قال أبو محمد : واحتجوا في إبطال الجدال والمناظرة بآيات ذكروها وهي قوله
تعالى * ( لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ) * والذين يحاجون في الله من
بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد )
* . قال أبو محمد : وهذه الآية مبينة وجه الجدال المذموم ، وهو قوله تعالى فيمن
يحاج بعد ظهور الحق ، وهذه صفة المعاند للحق ، الآبي من قبول الحجة بعد
ظهورها ، وهذا مذموم عند كل ذي عقل . ومنها قوله تعالى : * ( وقالوا أآلهتنا خير
أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) * .
قال أبو محمد : وإنما ذم تعالى في هذه الآية من خاصم وجادل في الباطل ، وعارض
الآلهة التي كانوا يعبدون من حجارة لا تعقل بعيسى النبي العبد المؤيد بالمعجزات ،
من إحياء الموتى وغير ذلك . ومنها قوله تعالى : * ( ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم
من محيص ) * ، ومنها قوله تعالى : * ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني )
قال أبو محمد قال تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) *
فصح بهذه الآية أن كلام الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف ، فوجدناه تعالى أثنى
على الجدال بالحق وأمر به ، فعلمنا يقينا أن الذي أمر به تعالى هو غير الذي نهى
عنه بلا شك ، فنظرنا في ذلك لنعلم وجه الجدال المنهي عنه المذموم ، ووجه
الاحكام — صفحة 19
مساهمون: ابن حزم
ص١٩