التوفيق : أن صحة ما أوجبه العقل عرفناه بلا واسطة وبلا زمان ، ولم يكن بين
أول أوقات فهمنا ، وبين معرفتنا بذلك مهلة البتة ، ففي أول أوقات فهمنا علمنا أن
الكل أكثر من الجزء ، وأن كل شخص فهو غير الشخص الآخر ، وأن الشئ
لا يكون قائما قاعدا في حال واحدة ، وأن الطويل أمد من القصير وبهذه القوة
عرفنا صحة ما توجبه الحواس ، وكلما لم يكن بين أول أوقات معرفة المرء وبين
معرفته به مهلة ولا زمان ، فلا وقت للاستدلال فيه ، ولا يدري أحد كيف وقع
له ذلك ، إلا أنه فعل الله عز وجل في النفوس فقط . ثم من هذه المعرفة أنتجنا
جميع الدلائل . ثم نقول له إن كنت مسلما بالقرآن يوجب صحة حجج العقول
على ما سنورده في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى ، فإن كلامنا في هذا الديوان
إنما هو مع أهل ملتنا .
وأما إن كان المكلم به لنا غير مسلم فقد أجبناه عن هذا السؤال في كتابنا
الموسوم بالفصل ، وكتابنا الموسوم بالتقريب ، وتقصينا هذا الشك وبينا خطأه
بعون الله تعالى ، وليس كتابنا هذا مكان الكلام مع هؤلاء .
قال أبو محمد : ويقال لمن قال بإلهام : ما الفرق بينك وبين من ادعى أنه ألهم
بطلان قولك فلا سبيل له إلى الانفصال عنه . والفرق بين هذه الدعوى ودعوى
من ادعى أنه يدرك بعقله خلاف ما يدركه ببديهة العقل ، وبين ما لا يدركه بأوائل العقل
أن كل من في المشرق والمغرب إذا سئل عما ذكرناه أننا عرفناه بأوائل العقل أخبر
بمثل ما نخبر سواء ، وأن المدعين للالهام ، ولادراك ما يدركه غيرهم بأول
عقله ، لا يتفق اثنان منهم على ما يدعيه كل واحد منهم ، إلهاما أو إدراكا ، فصح
بلا شك أنهم كذبة . وأن الذي بهم وسواس . وأيضا فإن الالهام دعوى مجردة
من الدليل ، ولو أعطي كل امرئ بدعواه المعراة لما ثبت حق ، ولا بطل باطل ،
ولا استقر ملك أحد على مال ولا انتصف من ظالم ، ولا صحت ديانة أحد أبدا ،
لأنه لا يعجز أحد عن أن يقول : ألهمت أن دم فلان حلال ، وأن ماله مباح لي أخذه ،
وأن زوجه مباح لي وطؤها ، وهذا لا ينفك منه ، وقد يقع في النفس وساوس
كثيرة لا يجوز أن تكون حقا ، وأشياء متضادة يكذب بعضها بعضا ، فلا بد من حاكم
الاحكام — صفحة 17
مساهمون: ابن حزم
ص١٧