وقال معظم أصحابنا إن إبليس ليس من الملائكة ، ولا كان منها ، وإنما استثناه الله
تعالى منهم ، لأنه كان مأمورا بالسجود معهم ، فهو مستثنى من عموم المأمورين بالسجود ،
لا من خصوص الملائكة .
* * *
البحث الثامن في هاروت وماروت ، هل هما من الملائكة أم لا ؟ قال جمهور أصحابنا :
إنهما من الملائكة ، وإن القرآن العظيم قد صرح بذلك في قوله : ( وما أنزل على
الملكين ببابل هاروت وماروت ) ( 1 ) وإن الذي أنزل عليهما هو علم السحر ، ابتلاء
من الله تعالى للناس ، فمن تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل
به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا : قالوا : وما كان هذان الملكان يعلمان أحدا حتى ينبهاه
وينهياه وينصحاه ، ويقولا له : ( إنما نحن فتنة ) ، أي ابتلاء واختبار من الله : ( فلا
تكفر ) ولا تتعلمه ، معتقدا أنه حق .
وحكى عن الحسن البصري أن هاروت وماروت علجان أقلفان من أهل بابل ، كانا
يعلمان الناس السحر ، وقرأ الحسن ( على الملكين ببابل ) بكسر اللام .
وقال قوم : كانا من الملائكة ، فعصيا الله تعالى بالحيف في الحكومة ، وقد كان
استقضاهما في الأرض ، وركب فيهما الشهوة والغضب ، على نحو ما ركب في البشر ،
امتحانا لهما ، لأنهما قد كانا عيرا البشر بالمعصية ، فلما عصيا حبسهما الله تعالى وعاقبهما
بعذاب معجل ، وألهمهما كلاما إذا تكلما به سكن بعض ما بهما من الألم ، وإن السحرة
يستمعون ذلك الكلام فيحفظونه ، ويفرقون به بين المرء وزوجه ، فإنهما يتقدمان إلى
من يحضرهما عندما يتكلمان بالزجر عن العمل بذلك الكلام ، ويقولان : ( إنما نحن
هامش
( 1 ) سورة البقرة . .