الموضع واضح ، ولكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات ، ويذهب وقته فيها ، وقد
استقصينا في مناقضته والرد عليه في كتابنا الذي أشرنا إليه .
فأما قوله عليه السلام : ( كلما نجم منهم قرن قطع ) ، فاستعارة حسنة ، يريد :
كلما ظهر منهم قوم استؤصلوا ، فعبر عن ذلك بلفظة ( قرن ) كما يقطع قرن الشاة إذا نجم ،
وقد صح إخباره عليه السلام عنهم أنهم لم يهلكوا بأجمعهم في وقعة النهروان ، وأنها دعوة
سيدعو إليها قوم لم يخلقوا بعد ، وهكذا وقع وصح إخباره عليه السلام أيضا أنه سيكون
آخرهم لصوصا سلابين ، فإن دعوة الخوارج اضمحلت ، ورجالها فنيت ، حتى أفضى الامر
إلى أن صار خلفهم قطاع طريق ، متظاهرين بالفسوق والفساد في الأرض .
[ مقتل الوليد بن طريف الخارجي ورثاء أخته له ]
فممن انتهى أمره منهم إلى ذلك الوليد بن طريف الشيباني ( 1 ) . في أيام الرشيد بن المهدى ،
فأشخص إليه يزيد بن مزيد الشيباني فقتله ، وحمل رأسه إلى الرشيد ، وقالت أخته ترثيه ،
وتذكر أنه كان من أهل التقى والدين ، على قاعدة شعراء الخوارج ، ولم يكن الوليد كما زعمت :
أيا شجر الخابور ما لك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف ( 2 )
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى * ولا المال إلا من قنا وسيوف
هامش
( 1 ) انظر ترجمة الوليد بن طريف في ابن خلكان 2 : 179
( 2 ) هي الفارعة بنت الوليد ، من قصيدة طويلة ، نقلها ابن خلكان في ترجمة الوليد ، وقال : ( وكان
للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة - وقيل فاطمة - تجيد الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها
صخر ، فرثت الفارعة أخاها بقصيدة أجادت فيها ، وهي قليلة الجود ، ولم أجد في مجاميع كتب الأدب
إلا بعضها ، حتى إن أبا على القالي لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات ، فاتفق أنى ظفرت بها كاملة
فأثبتها لغرابتها وحسنها ، وهي هذه ) . وأورد القصيدة ومنها أبيات في أمالي القالي 2 : 284 ، واللآلئ
913 ، وتاريخ الطبري 10 : 65 ، وشرح شواهد الغنى 55 .