أما بعد ، فإني لقيت الأزارقة ، فرزق الله عز وجل عبيد الله بن عمر الشهادة ، ووهب له
السعادة ، ورزقنا بعد عليهم الظفر ، فتفرقوا شذر مذر ( 1 ) . وبلغني عنهم عودة فيممتهم ،
وبالله أستعين ، وعليه أتوكل .
فسار إليهم ومعه عطية بن عمرو ، ومجاعة بن سعر فالتقوا ، فألح عليهم عمر حتى أخرجهم ،
وانفرد من أصحابه ، فعمد إلى أربعة عشر رجلا من مذكوريهم وشجعانهم ، وفي يده عمود ،
فجعل لا يضرب رجلا منهم ضربة إلا صرعه ، فركض إليه قطري على فرس طمر ( 2 ) ،
وعمر على مهر ، فاستعلاه قطري بقوة فرسه ، حتى كاد يصرعه ، فبصر به مجاعة ، فأسرع
إليه ، فصاحت الخوارج : يا أبا نعامة ، إن عدو الله قد رهقك ( 3 ) . فانحط قطري على
قربوسه وطعنه مجاعة ، وعلى قطري درعان فهتكهما وأسرع السنان في رأس
قطري ، فكشط جلده ونجا ، وارتحل القوم إلى أصفهان ، فأقاموا برهة ، ثم رجعوا
إلى الأهواز ، وقد ارتحل عمر بن عبيد الله إلى إصطخر ( 4 ) فأمر مجاعة فجبى الخراج
أسبوعا ، فقال له : كم جبيت ؟ قال : تسعمائة ألف ، فقال : هي لك .
وقال يزيد بن الحكم لمجاعة :
ودعاك دعوة مرهق فأجبته * عمر وقد نسي الحياة وضاعا ( 5 )
فرددت عادية الكتيبة عن فتى * قد كاد يترك لحمه أوزاعا ( 6 )
قال : ثم عزل مصعب بن الزبير ، وولى عبد الله بن الزبير العراق ابنه حمزة
هامش
( 1 ) شذر ، مذر ، بالتحريك فيهما : ذهبوا في كل وجه ، ومذر : اتباع .
( 2 ) فرس طمر ، هو الطويل القوائم الخفيف ، أو هو المستفز للوثب والعدو ، والأنثى طمرة .
( 3 ) رهقك : غشاك .
( 4 ) إصطخر : بلد من أعيان بلاد فارس .
( 5 ) المرهق : هو الذي أدرك ليقتل ، من أرهق الرجل إذا قتله . و ( عمر ) فاعل : ( دعاك ) .
( 6 ) العادية : الخيل تعدو ، أو الرجال يعدون . وأوزاعا : قطعا .